Uncategorized

خطاب انتصار مؤجل بلا مهزوميروجه اعلام مدار

بقلم محمد جابر
الممر مئة وأربعة وعشرون

لم تعد الحروب تخاض بالاسلحة وحدها بل تدار باللغة وتنتج داخل غرف المونتاج قبل ان تظهر في ساحات القتال تتحول الوقائع الى مادة قابلة للصياغة ويعاد تقديمها في صورة خطاب واعلان ومشهد قد تصنعه تقنيات الذكاء الاصطناعي

هنا لا يظهر المنتصر بوصفه نتيجة نهائية بل بوصفه سردية يجري بناؤها وتكرارها حتى تكتسب مظهر الحقيقة كل طرف يعلن فوزه وكل منصة تعيد انتاج هذا الاعلان حتى يتراجع السؤال البديهي اين المهزوم وكيف يمكن لعقل ان يستوعب انتصارا بلا مهزوم

قال الجنرال الذي التقيته في الممر لن اذكر اسمه بناء على رغبته ان تفكيك الحتمية وازاحة البؤرة المعرفية لا يعني هدم العالم بل اعادة قراءته خارج يقيناته الصلبة لن يعود العالم متماسك كما كان ولن تبدو الحروب بناء مكتمل بل نصوص مفتوحة على التأويل ما نظنه حتمي ليس سوى سردية مهيمنة اعادت انتاج نفسها حتى بدت حقيقية

واقول يستطيع الممر ان يشير الى انها حرب لا تقرأ كحق مطلق بل كخطاب مؤدلج يقترب من ذاك ويبتعد عن هؤلاء تصبح الارض ذاتها لا تحمل وعد يقيني بل دلالة على تشكيل ممنهج داخل شبكة من المصالح ومزعومية التأويلات

اما الاعلام فلا يمنح قداسة نهائية بل يجب ان يفكك كبنية لغوية قابلة لاعادة التأويل قاطعني معلقا الحرب لن يذكرها التاريخ مؤرخ بل حقبة من السرديات المتنازعة على المعنى بين ادعاء البرتقالي والتسريب الماسوني والاهتراء النووي ومع تغير البؤرة المعرفية تتعدد الاصوات وتتراجع سلطة الرواية الواحدة ويفتح المجال لقراءات تتناحر دون ان تلغي بعضها

وعليه يتضح ان الحرب ليست فعل بل اثر لهيمنة مفتعلة داخل خطاب يمكن زعزعته باختلاف زاوية القراءة لا الغاؤه في المطلق حيث تتكشف تناقضاته تباعا في ادعاءات نفس التأويلات

قاطعته قائلا بدا واضحا خلال مروري بالممر ان الحكاية لا تتعلق بمن ربح ومن خسر بقدر ما تتعلق بكيف يعاد تعريف الرابح والخسار حيث أن التاريخ لا يكتب بوصفه الحقيقة القاطعة بل كسردية من سرديات متجاورة تتنازع المعنى وتعيد تشكيله ومع تعدد الاصوات تتراجع سلطة الرواية الواحدة دون ان تختفي ويفتح المجال لقراءات تتباين دون ان تلغي احداها الاخرى

الحرب لا تبدأ من الرصاصة بل من الاعلان الذي يمنح الفعل شرعية تختلط الوقائع بالادعاءات وتسوق اعلاميا فلا نعود نميز بين ما حدث وما صيغ ليقال انه حدث يحول الصراع من مواجهة بالأسلحة الى صراع على المعنى وعلى من يملك الحق في تعريفه هنا يصبح الكذب اكثر فاعلية من الرصاصة

في هذا الممر يصبح الاعلام جزءا من بنية القتال لا مجرد ناقل يعاد تشكيل الوعي عبر تكرار السردية حتى تبدو بديهية ويصبح التوظيف الايديولوجي احد اشكال النص الممكنة وفي المقابل لا يظهر التعدد كضعف بل كامكانية لظهور اصوات مختلفة حتى وان لم تنجح في بناء خطاب مضاد متماسك

الممر لا يستقر كمعنى نهائي بل يظل يطرح ما بداخله لاعادة التأويل لتكتب عليه الحكايات وتمحى ثم يعاد تدوينها وفق مواقع القوة فكل ادعاء امتلاك او انتصار هو بناء خيالي يسعى الى تثبيت معنى بعينه بين ادعاءات مستمرة

عاود الجنرال الحديث قائلا الحرب ليست صراع على الارض بل صراع على من يملك سلطة الادعاء من يحدد المعنى يقترب من تشكيل الواقع نفسه حتى وان لم يكن حاضرا فيه تلك سيطرة عن بعد واخرى حرب بالوكالة

في هذا الممر لن تنتهي الحرب لانها لا تخاض بالاسلحة فقط بل تكتب كانها رواية وما لم تفكك اللغة التي تنتجها ستظل تتكرر لا بوصفها فعل بل بوصفها نص يعاد تقديمه بصيغ مختلفة حين يتحول الى خطاب واعلام واعلان

حينها لا يعود الانتصار حقيقة قابلة للقياس بل ادعاء قابل لاعادة الانتاج الاعلامي وفي غياب الاعتراف بالخسارة يغيب المعنى الحقيقي للنصر وتبقى الصور حيث اعادة التدوير

وهنا نستطيع القول بأن السؤال لن يكون من انتصر بل من يملك سلطة القول انه انتصر واي وعي يمكنه اعادة قراءة هذا الممر بعيدا عن هيمنة السرديات هنا يمكن فتح افق مختلف لا يقوم على انهاء الحرب بل على تفكيك اللغة فالنهاية كتبت ان تبدأ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى