
بقلم : عماد نويجي
الفصل التاسع ( ليلة في المخزن )
بدأ الحريق بعد منتصف الليل بقليل
لم يسمع أحد في البداية سوى نباح الكلاب ثم ظهرت ألسنة اللهب فوق المخزن القديم القريب من الأرض المتنازع عليها
هرع الأهالي إلى المكان يحملون أوعية الماء بينما اتصل بعضهم بالمطافئ
كان حسن أول من وصل
رأى النار تلتهم الباب الخشبي وسمع صوت رجل يستغيث من الداخل
لم يفكر
اندفع نحو الباب وكسر جزءا منه بكتفه ثم دخل وسط الدخان
وجد حارس المخزن ملقى على الأرض وقد أصابته قطعة خشب ساقطة
حمله حسن بصعوبة وسحبه إلى الخارج قبل أن ينهار السقف بجزء من المبنى
وحين خرج كان وجهه مغطى بالسواد وذراعه تنزف
لكن الرجل الذي أنقذه لم يكن قادرا على الكلام
بعد دقائق وصلت الشرطة وبدأت الأسئلة
قال أحد رجال فؤاد إن حسن شوهد قرب المخزن قبل الحريق وإنه كان يتوعد صاحبه قبل أيام
لم يصدق بعض الناس الاتهام لكن آخرين بدأوا يتناقلونه بسرعة
ففي القرية قد يحتاج الاتهام إلى دقيقة واحدة كي ينتشر بينما تحتاج البراءة إلى سنوات كي تجد من يسمعها
اقتيد حسن إلى المركز للتحقيق
وحين علمت سلمى بما حدث ركضت إلى أمها تطلب منها أن تتصل بأي شخص يستطيع مساعدته
لكن أمينة قالت بقلق
لو وقفنا مع حسن دلوقتي فؤاد هيعتبرنا أعداءه
صرخت سلمى
وإحنا من إمتى بقينا أصدقاءه يا أمي
لم تستطع أمينة الرد
فقد بدأت ترى أن الخوف الذي ظنت أنه يحمي الأسرة أصبح يدفعها إلى الوقوف في صف الظلم
كان الصحفي الشاب كريم قد وصل إلى المكان قبل وصول الشرطة بقليل
كان يصور الحريق حين لمح رجلا يغادر من الباب الخلفي للمخزن ويحمل حقيبة صغيرة
لم يتمكن من رؤية وجهه لكنه لاحظ أن الرجل لم يكن يهرب من النار بل كان يخرج من المكان بهدوء شخص يعرف أين يذهب
اقترب كريم من أحد العمال وسأله عن الرجل
قال العامل
ده واحد بيشتغل مع فؤاد
سجل كريم المعلومة في هاتفه
ثم لاحظ شيئا آخر
لم تكن النار قد بدأت في المكان الذي يعتقده الناس بل في الغرفة الخلفية التي تحفظ فيها الملفات القديمة
كان الحريق إذن قد التهم الأوراق قبل أن يلتهم المبنى
وفي الصباح نشر كريم خبرا صغيرا عن الحريق دون أن يتهم أحدا
لكن الخبر وصل إلى فؤاد قبل أن يصل إلى معظم القراء
استدعى رجاله وقال
عايز أعرف مين الصحفي ده وبيشتغل لمين
أجابه أحدهم
لسه صغير يا بيه
ابتسم فؤاد
الصغير لما يعرف حاجة أكبر منه بيبقى أخطر من الكبير
في المركز جلس حسن أمام المحقق يكرر أنه لم يشعل النار وأنه دخل المخزن لإنقاذ الحارس
لكن الشاهد الوحيد كان فاقد الوعي
وفي نهاية التحقيق قال له الضابط
لو عندك حاجة تثبت براءتك قولها
رفع حسن رأسه
أنا ما عنديش غير الحقيقة
رد الضابط ببرود
الحقيقة لوحدها ساعات ما تكفيش
وحين أُغلق الباب خلفه أدرك حسن أن المعركة لم تعد مع فؤاد وحده بل مع عالم كامل لا يصدق الفقير إلا إذا جاءه ومعه دليل يستطيع الأغنياء الاعتراف به



