مقال

حكمة القاهرة ومسار السلام: نضج المؤسسات بالتأجيل البرلماني والمبادرة المصرية للحل الشامل باليمن

بقلم: أشرف عبد الحميد

المقدمة: مسؤولية القوة ورصانة القرار المؤسسي

تقف المنطقة العربية عند لحظة فارقة تتطلب مزيجاً حاسماً من الردع العسكري الواعي والتحرك الدبلوماسي الشجاع؛ فبينما يدرس مجلس النواب المصري طلب التفويض الدستوري القاضي بسماح تحريك قطاعات من القوات المسلحة المصرية لمعاونة المملكة العربية السعودية في حماية أمنها واستقرارها ضد تهديدات جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، جاء قرار البرلمان بتأجيل حسم القرار للأسبوع القادم ليُؤكد صحة قراءتنا الاستراتيجية السابقة ويُرسخ مفهوم “دولة المؤسسات الحكيمة”.

إن القوة المسلحة للدولة الوطنية ليست غاية في حد ذاتها أو أداة للاندفاع، بل هي جدار ردع يُمكّن الدبلوماسية من فرض خيارات السلام العادل وتجنيب الشعوب العربية ويلات النزاعات الممتدة.

أولاً: أبعاد التأجيل البرلماني.. نضج التجربة ونفي العاطفية

يمثل قرار مجلس النواب بتأجيل البت في التفويض وإفساح المجال لمزيد من الدراسة والمناقشة خلال الأسبوع القادم تطبيقاً عملياً لنضج التجربة البرلمانية والمؤسسية في مصر:

الخروج من نمط “الموافقة الشكلية”:

أثبت البرلمان المصري أنه لا يمارس دور البصمة التلقائية، بل يعمل وفق منهج تشريعي ورقابي صارم؛ يراجع دراسات تقدير الموقف الواردة من مجلس الدفاع الوطني، ويستمع للتقارير الاستخباراتية، ويناقش التبعات العملياتية واللوجستية مع اللجان المختصة (الدفاع والأمن القومي، العلاقات الخارجية، والشؤون الاقتصادية).

التقييم التكاملي للقرار الصعب:

إن إرسال أو تحديد نطاق انتشار عسكري خارج الحدود ليس مجرد إجراء سياسي عابر، بل هو قرار سيادي شديد التعقيد يتطلب استيفاء كافة الأبعاد:

عسكرياً: التأكد من عدم تأثير أي تكليف خارجي على الجاهزية العالية للجيش المصري على حدوده المباشرة.

اقتصادياً: حصر التكلفة والترتيبات اللوجستية وتأطيرها ضمن الشراكات الإقليمية لمنع أي إرهاق للموازنة العامة للدولة.

سياسياً ودبلوماسياً: قياس انعكاسات القرار على المعادلات الإقليمية والدولية وتوافقه التام مع أطر القانون الدولي.

الردع السيادي وإفساح المجال للدبلوماسية:

إن مجرد عقد الجلسات وطرح ملف التفويض أدى غرض «الردع الاستباقي» ووجه رسالة صارمة لكل من يستهدف أمن الخليج. وفي الوقت ذاته، يوفر التأجيل للأسبوع القادم مهلة وفرصة حقيقية للجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة وتهيئة المناخ لمبادرات السلام قبل الانزلاق لمستويات أكثر تعقيداً.

ثانياً: المبادرة المصرية.. قمة عاجلة للسلام الشامل والعادل

إن القراءة العميقة للمشهد اليمني–السعودي تؤكد أن الحسم العسكري الميداني وحده لن ينهي أزمة ممتدة المعاناة، بل إن البداية الحقيقية والمستدامة تكمن في المبادرة المصرية لدعوة الطرفين إلى قمة عاجلة للسلام.

تتأسس هذه الرؤية على المحاور الاستراتيجية التالية:

مصر الوسيط النزيه والمعتمد:

تتمتع القاهرة بموقع استراتيجي وثقل تاريخي يمنحها القبول لدى كافة الأطراف؛ فهي الحليف الصادق والأمين للمملكة العربية السعودية والضامن لأمن الخليج، وفي الوقت نفسه دولة كبرى تقف على مسافة تسمح لها برعاية مفاوضات جادة تضمن حقوق الشعب اليمني الشقيق وسعادة أرضه.

إعلان “مسار القاهرة للسلام الشامل”:

دعوة عاجلة تجمع قيادة المملكة العربية السعودية وجماعة “أنصار الله” (الحوثيين) برعاية رئاسية مصرية، لوضع حد للحرب وإعلان وقف دائم وشامل لإطلاق النار تحت مظلة ضمانات إقليمية ودولية.

مرتكزات التسوية العادلة:

أمن السعودية أولاً: الالتزام التام والكامل بوقف أي استهداف للأراضي والمنشآت النفطية والملاحية السعودية، وإبعاد الميليشيات عن الحدود.

السيادة اليمنية وبناء الدولة: إطلاق عملية سياسية يمنية–يمنية شاملة تضمن مشاركة كافة المكونات، والحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية، والبدء في برنامج إقليمي ودولي لإعادة الإعمار.

تأمين الملاحة الدولية: ضمان سلامة الممر المائي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب كمنطقة أمن قومي مجردة من التهديدات.

ثالثاً: التكامل بين الردع والدبلوماسية

تؤكد الرؤية الوطنية المصرية أن:

الأمن والتنمية لا يتجزآن: نزع فتيل الأزمات الإقليمية هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الاقتصاد العربي، وتدفق الاستثمارات، وحماية خطوط التجارة العالمية.

الردع يحمي السلام: لا يمكن بناء سلام عادل دون قوة تحميه؛ فالتفويض البرلماني المرتقب بتحديده ودراسته المتأنية يعطي المبادرة الدبلوماسية المصرية وزنها وهيبتها على طاولة المفاوضات.

الخاتمة

إن مصر لا تبحث عن الحروب، بل تصنع السلام بامتلاكها أدوات القوة والحكمة. وإن التأني البرلماني في قرار التفويض الدفاعي، بالتوازي مع طرح «مبادرة القاهرة لقمة السلام العاجلة الشاملة بين السعودية والحوثيين»، يمثل الفكر الاستراتيجي الرشيد الذي يجمع بين حماية الأشقاء، وصون الأمن القومي العربي، وقيادة المنطقة نحو استقرار دائم يحقن الدماء ويفتح آفاق التنمية للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى