مصر واليابان ترسمان ملامح المستقبل للمتحف المصري الكبير

هالة المغاوري – فيينا
لم تعد قيمة المتاحف الكبرى تُقاس فقط بما تحتضنه من كنوز أثرية، أو بما تجتذبه من أعداد الزوار، بل بقدرتها على تحويل التراث إلى منظومة متكاملة تجمع بين المعرفة والتكنولوجيا والإدارة الحديثة والاستدامة الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، تكتسب الشراكة المصرية اليابانية لتطوير قدرات المتحف المصري الكبير أهمية تتجاوز حدود التعاون الثقافي التقليدي، لتلامس مستقبل إدارة المؤسسات الحضارية الكبرى في القرن الحادي والعشرين.
وفي خطوة تعكس استمرار هذا التعاون، استقبل السفير المصري راجي الإتربي وفدًا من قيادات المتحف المصري الكبير، بمشاركة ممثلين عن الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا» وشركة ماكينزي للاستشارات، بمناسبة اختتام برنامج تدريبي متخصص استهدف تطوير القدرات المؤسسية للمتحف، في إطار توجه نحو تعزيز كفاءة الإدارة وتوسيع الاستفادة من الخبرات الدولية.
وتناول اللقاء آفاق التعاون في مجالات الإدارة المتحفية والتحول الرقمي وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في صون التراث، إلى جانب تعزيز الاستدامة المالية، وهي ملفات تكتسب أهمية خاصة في ظل المكانة التي يسعى المتحف إلى ترسيخها بوصفه أحد أبرز المؤسسات الثقافية والسياحية في مصر والمنطقة.
وتكشف هذه المحاور عن تحول مهم في طبيعة التحديات التي تواجه المتحف؛ فبعد مراحل التخطيط والإنشاء والتجهيز، تبرز مهمة أكثر تعقيدًا تتمثل في بناء نموذج تشغيلي قادر على إدارة هذا الصرح الضخم بكفاءة، وتحقيق التوازن بين حماية الآثار وإتاحتها للجمهور، وتطوير الخدمات، وضمان استمرارية الموارد اللازمة للتشغيل والصيانة والتحديث.
وتأتي اليابان في هذا السياق بوصفها شريكًا يمتد تعاونه مع مصر في مشروع المتحف لسنوات، من خلال الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، التي أسهمت في دعم المشروع وتطوير الخبرات المرتبطة بالحفاظ على الآثار. ولا تقتصر أهمية هذه الشراكة على الدعم الفني أو التمويل، بل تمتد إلى تبادل المعرفة والخبرات، بما يتيح للكوادر المصرية الاستفادة من التجارب الدولية في إدارة المشروعات الثقافية المعقدة.
أما إشراك شركة ماكينزي للاستشارات في البرنامج التدريبي، فيسلط الضوء على البعد الإداري والاستراتيجي للتعاون، وفقًا للجهات المشاركة في اللقاء. فإدارة مؤسسة ثقافية بهذا الحجم تتطلب رؤية واضحة للأولويات، وتطوير آليات اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الأداء، وربط الموارد بالأهداف، مع مراعاة الطبيعة الخاصة للمتحف باعتباره مؤسسة لحماية التراث ونافذة للتعريف بالحضارة المصرية.
ويبرز التحول الرقمي كأحد المسارات التي يمكن أن تعيد تشكيل تجربة المتحف، بدءًا من توثيق المقتنيات وإدارة قواعد البيانات، وصولًا إلى تطوير وسائل العرض والتواصل مع الزوار. غير أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا لا تتحقق بمجرد إدخال أدوات حديثة، وإنما بقدرتها على تحسين العمل المؤسسي، وتيسير الوصول إلى المعرفة، ودعم عمليات الحفظ والتوثيق، دون المساس بأصالة القطع الأثرية أو متطلبات صيانتها.
وفي المقابل، تظل الاستدامة المالية عنصرًا أساسيًا في ضمان استمرارية الدور الثقافي للمتحف. فالمؤسسات الكبرى تحتاج إلى إدارة دقيقة لتكاليف التشغيل والصيانة، وتنويع مصادر الإيرادات، وتطوير الخدمات والبرامج التي تعزز تجربة الزائر، مع الحفاظ على رسالتها التعليمية والثقافية. ولا يعني ذلك إخضاع التراث لمنطق الربح وحده، بل إيجاد توازن مستدام بين المسؤولية الثقافية والكفاءة الاقتصادية.
وتزداد أهمية هذه الملفات مع اقتراب الذكرى الأولى للافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير في نوفمبر 2026، وهي مناسبة تتيح النظر إلى ما تحقق، وفي الوقت نفسه تطرح تساؤلات حول الخطوات المقبلة: كيف يمكن تعظيم الاستفادة من الإمكانات التي يوفرها المتحف؟ وكيف تتحول الخبرات المكتسبة من البرامج التدريبية إلى ممارسات مؤسسية مستمرة؟ وما الآليات التي تضمن قياس أثر التطوير على جودة الخدمات وكفاءة الإدارة وحماية المقتنيات؟
وفي هذا الإطار، أكد السفير راجي الإتربي أن المتحف المصري الكبير يمثل نموذجًا متميزًا للشراكة الاستراتيجية بين مصر واليابان، وجسرًا للتواصل الحضاري بين البلدين، مشددًا على حرص السفارة على تعزيز التعاون مع الشركاء اليابانيين.
وتعكس هذه الرؤية بُعدًا يتجاوز حدود المشروع ذاته؛ فالمتحف ليس مجرد وجهة سياحية، بل منصة للتواصل الثقافي والحوار بين الحضارات، ومكوّن مهم في صورة مصر الدولية وقدرتها على تقديم تاريخها العريق بلغة معاصرة تجمع بين المعرفة والابتكار.
وتبقى القيمة الحقيقية للشراكة المصرية اليابانية مرهونة بقدرتها على تحويل التدريب وتبادل الخبرات إلى نتائج قابلة للقياس، وبناء قدرات محلية تضمن استمرار التطوير بعد انتهاء البرامج والمشروعات. فنجاح المتحف على المدى الطويل لن يتحدد فقط بعظمة ما يعرضه من آثار، وإنما أيضًا بقدرته على صونها، وإدارة موارده بكفاءة، وتطوير تجربته الثقافية، وإيصال رسالته إلى أجيال جديدة.
ومن هنا، فإن الرهان الأهم في المرحلة المقبلة هو الانتقال من امتلاك أحد أكبر الصروح المتحفية في العالم إلى ترسيخ نموذج مؤسسي مستدام يجمع بين حماية الماضي والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، ويمنح الحضارة المصرية حضورًا متجددًا في عالم تتنافس فيه المؤسسات الثقافية على الابتكار والتأثير.



