حين تراجع مصر مستقبل UNODC من فيينا.. من يحدد أولويات مكافحة الجريمة؟

هاله المغاورى فيينا
في فيينا، لا يدور النقاش حول مستقبل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة «UNODC» باعتباره ملفًا إداريًا أو ماليًا فقط، بل حول سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن الحفاظ على فاعلية المؤسسة الدولية في مواجهة جرائم تتغير طبيعتها، بينما تتزايد الضغوط على مواردها؟
في هذا السياق جاءت مشاركة السفير محمد نصر، سفير مصر لدى النمسا والمندوب الدائم لدى المنظمات الأممية والدولية في فيينا، في اجتماع الفريق العامل الحكومي الدولي مفتوح العضوية المعني بتحسين الحوكمة والوضع المالي لـUNODC، ولقاؤه مع مونيكا جوما، المديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة في فيينا والمديرة التنفيذية لـUNODC.
الموقف المصري ركز على نقطة جوهرية: أن تحدد الدول الأعضاء احتياجاتها وأولوياتها، وأن تنعكس هذه الأولويات على برامج المكتب، خصوصًا في الدول النامية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية وعدم التعامل مع الدول وفق نموذج موحد.
هذه الرسالة تأتي في توقيت حساس، إذ يواجه UNODC ضغوطًا مالية تفرض عليه إعادة ترتيب برامجه وموارده. وهنا تصبح قضية الحوكمة مرتبطة مباشرة بقدرة المكتب على تنفيذ مهمته، وليس فقط بكيفية إدارة ميزانيته.
فالاختيار بين البرامج في ظل محدودية الموارد يمكن أن يحدد مستقبل المساعدة الفنية التي تعتمد عليها دول كثيرة في بناء قدراتها لمواجهة الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، والمخدرات، وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التشديد المصري على رفع كفاءة المكتب وفعالية مشروعاته على الأرض. فالمطلوب ليس الحفاظ على حجم الإنفاق، وإنما ضمان أن تتحول الموارد المتاحة إلى نتائج ملموسة، وأن توجه وفق الولايات التي أقرتها الدول الأعضاء في فيينا.
والقضية الأوسع التي تكشفها مناقشات FINGOV هي أن مستقبل مكافحة الجريمة العابرة للحدود لم يعد منفصلًا عن مستقبل المؤسسات الدولية نفسها. فكلما أصبحت الجريمة أكثر تنظيمًا وعابرية للحدود، أصبحت الحاجة إلى التعاون الدولي أكبر، في الوقت الذي تواجه فيه المؤسسات المعنية بهذا التعاون قيودًا مالية وإدارية متزايدة.
لذلك فإن الرسالة المصرية من فيينا يمكن اختصارها في معادلة واضحة: إصلاح UNODC نعم، لكن الإصلاح يجب أن يعزز قدرته على تنفيذ ولاياته، لا أن يأتي على حساب الدول التي تحتاج إلى دعمه أكثر من غيرها.
وهذه المعادلة ستظل واحدة من القضايا المهمة في النقاش الأممي خلال المرحلة المقبلة، لأن المعركة لم تعد فقط حول حجم الموارد، وإنما حول السؤال الأهم: من يحدد أولويات مكافحة الجريمة عالميًا، وكيف تتحول هذه الأولويات إلى برامج تصل فعلًا إلى الدول والمجتمعات التي تحتاج إليها؟



