مقال

ثبوت النص واختلاف الحكم

سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟

بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس

المقال الثامن

رأينا في المقالين السابقين أن الاختلاف قد يبدأ قبل الوصول إلى معنى النص.

فقد لا يبلغ الدليل فقيهًا أصلًا، وقد يبلغه ثم لا يثبت عنده.

لكن ماذا لو ثبت النص عند الجميع؟

هل ينتهي الاختلاف؟

ليس بالضرورة.

فقد يكون النص ثابتًا لا خلاف في ثبوته عند الفقهاء، كالآية القرآنية أو الحديث الصحيح، ثم يختلفون بعد ذلك في فهم دلالته.

وهنا نصل إلى سبب مهم من أسباب الاختلاف الفقهي:

النص واحد، لكن فهم دلالته قد يختلف.

وهذا لا يعني أن النص غامض، أو أن الشريعة تركت الناس في حيرة، وإنما لأن اللغة العربية واسعة، وبعض ألفاظها وأساليبها يحتمل أكثر من معنى، فينظر الفقيه في اللغة والسياق والقرائن ليستخلص المعنى الذي يراه أقرب إلى مراد الله ورسوله ﷺ.

ومن هنا قد يقرأ فقيهان الآية نفسها، أو الحديث نفسه، ثم يصل كل منهما إلى حكم مختلف.

ثلاثة قروء.. ما معنى القرء؟

يقول الله تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. البقرة: 228.

اتفق الفقهاء على أن العدة واجبة على المطلقة، وأن الآية نص صريح في ذلك.
لكن الخلاف لم يكن:

هل تعتد المطلقة أم لا؟

وإنما كان في كيفية حساب هذه العدة.

فالآية جعلت العدة ثلاثة قروء،
لكن ما المقصود بكلمة القرء؟

هل هو الحيض؟

أم الطهر بين الحيضتين؟

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القرء هو الحيض، بينما ذهب المالكية والشافعية إلى أنه الطهر.

فترتب على اختلاف معنى الكلمة اختلاف في طريقة حساب عدة المطلقة.

وهنا لا يمكن القول إن فريقًا التزم النص القرآني وفريقًا خالفه.

فالآية واحدة، والعدة واجبة عند الجميع، لكن لفظ القرء من الألفاظ التي استعملتها العرب في أكثر من معنى؛ فيأتي بمعنى الحيض، ويأتي بمعنى الطهر.

فاجتهد كل فريق في تحديد المعنى المقصود في الآية، مستندًا إلى اللغة وما يؤيد فهمه من الأدلة والقرائن.

وهكذا أدى اختلاف فهم كلمة واحدة إلى اختلاف في كيفية تطبيق الحكم، لا في أصل وجوبه.

وامسحوا برؤوسكم.. ماذا تفيد الباء؟

ومثال آخر من القرآن الكريم.
يقول الله تعالى:
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. المائدة: 6.

الجميع متفق على أن مسح الرأس واجب في الوضوء.

فلم يكن الخلاف:
هل يجب مسح الرأس أم لا؟

وإنما كان الخلاف في مقدار ما يجب مسحه.

هل يجب مسح الرأس كله؟

أم يكفي مسح جزء منه؟

ذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب مسح الرأس كله.

وذهب الشافعية إلى أن مسح جزء من الرأس يكفي.

أما الحنفية فقالوا بوجوب مسح ربع الرأس.

فكيف اختلفوا والآية واحدة؟

هنا يظهر أثر اللغة في فهم النص.
فسبب مهم من أسباب الخلاف هو حرف الباء في قوله تعالى: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾.

فحرف الباء في اللغة العربية لا يؤدي معنى واحدًا في كل موضع، بل تتعدد دلالاته بحسب السياق.

فقد يفيد الإلصاق، أي اتصال الفعل بالشيء، وقد يأتي لمعانٍ أخرى،
ومن الدلالات التي قال بها بعض أهل اللغة والأصول التبعيض، أي تعلق الحكم بجزء من الشيء لا بكله.

ومن هنا بدأ الاختلاف.

فمن رأى أن الباء هنا تفيد مجرد إلصاق المسح بالرأس، قال: إن الأمر تعلق بالرأس، والأصل امتثال الأمر بمسحه كله.

ومن رأى أن الباء تحتمل معنى التبعيض،
قال: إن مسح جزء من الرأس يمكن أن يتحقق به امتثال الأمر.

ثم نظر الفقهاء كذلك في السنة النبوية التي وصفت وضوء النبي ﷺ، وفي سائر القرائن، فحدد كل فريق المقدار الذي يراه واجبًا.

وهكذا لم يكن الخلاف في وجوب مسح الرأس، فالجميع متفقون عليه، وإنما كان الخلاف في مقدار المسح الذي يتحقق به الواجب.

ومن اختلاف النظر في دلالة حرف واحد، نشأ اختلاف في حكم فقهي.
وهذا مثال واضح على أن اختلاف الفقهاء قد يبدأ أحيانًا من دلالة كلمة، بل من دلالة حرف.

البيعان بالخيار.. ما معنى يتفرقا؟

ولا يقتصر اختلاف الدلالة على القرآن الكريم، بل نجده كذلك في السنة النبوية.
قال رسول الله ﷺ:

البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. متفق عليه.

والحديث صحيح وثابت، لكن الفقهاء اختلفوا في معنى قوله ﷺ: يتفرقا.

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن للبائع والمشتري حق الرجوع في البيع ما داما في مجلس العقد، فإذا افترقا بأبدانهما انتهى هذا الحق.

أما الحنفية فلم يأخذوا بخيار المجلس بهذا المعنى، ورأوا أن البيع يلزم بتمام العقد.

وهكذا لم يكن الخلاف في صحة الحديث، وإنما في فهم دلالته وما يترتب عليها.
حديث واحد، لكن النظر في معنى كلمة «يتفرقا» أدى إلى اختلاف الحكم.

هل كل اجتهادين صحيحان؟

وهنا يبرز سؤال مهم:
إذا اختلف فقيهان في فهم نص ثابت،

فهل يكون كلا الرأيين صحيحًا؟

ليس بالضرورة.

فقد يحتمل النص أكثر من معنى معتبر، ويكون لكل فقيه دليله وطريقته في الفهم.

وقد يكون أحد القولين أقرب إلى الصواب؛ لوجود قرائن أو أدلة أخرى ترجح أحد المعنيين.

ولهذا لا يكتفي الفقيه بمجرد المعنى المحتمل، بل يسأل:

هل يؤيده سياق النص؟

وهل يتفق مع استعمال اللغة؟

وهل توجد قرينة ترجح هذا الفهم؟

ومن هنا نفهم أن الاختلاف في الفهم ليس فوضى، وليس كل معنى يمكن أن ننسبه إلى النص.

إنه اجتهاد تحكمه قواعد اللغة وأصول الاستدلال.

النص واحد.. والطريق إلى فهمه قد يختلف

هذه هي الخلاصة التي نحتاج إليها.

قد تكون الآية أمام الجميع، وقد يكون الحديث صحيحًا عند الجميع، ومع ذلك يختلف الحكم.

ليس لأن أحدهم يريد مخالفة النص، وإنما لأن الطريق إلى فهم النص قد يختلف.

فقد يكون الخلاف في معنى كلمة، أو دلالة حرف، أو عموم لفظ.

ولهذا لا يصح أن نقرأ حكمًا فقهيًا مخالفًا لما نفهمه من ظاهر النص، ثم نسارع إلى القول:
كيف خالف الفقيه الدليل؟

فربما كان السؤال الأدق:
كيف فهم الفقيه هذا النص؟

لكن ماذا يحدث إذا كانت في المسألة نصوص متعددة، ويبدو للقارئ أن بينها اختلافًا؟

قبل أن يبحث الفقيه عن الجمع بينها، عليه أن يسأل سؤالًا أول:

هل ثبتت هذه النصوص جميعًا؟

هذا ما ننتقل إليه في المقال القادم:
حين تتعدد النصوص.. كيف يميز الفقيه الصحيح من الضعيف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى