مقال

العدالة فى تقييم الناس

بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس

في لحظة واحدة قد تكشف الحوادث ما تخفيه الأيام الطويلة.

في حادث مول أرابيلا بلازا، كانت طالبة الطب هيا عمرو مع صديقتها عندما وقع الانفجار، فتحول المكان في لحظات إلى مشهد من الخوف والارتباك.

خرجت أولًا، ثم عادت لتساعد.

رأت متوفى، فطلبت تغطيته احترامًا لخصوصيته، ثم انتقلت إلى مصاب آخر، ففحصت نبضه، وتأكدت من أنه ما زال حيًّا، وطلبت عدم تحريكه عشوائيًا، واستعانت بمن يستطيعون المساعدة، وتعاملت مع الجروح والنزيف في حدود ما تعلمته في كلية الطب ونادت بطلب الإسعاف.

وحين وجدت أن الأمر يتجاوز قدرتها، تركت المهمة للمتخصصين.

أما لقطة جمع شعرها، التي تحولت إلى صورة شهيرة، فلم تكن في روايتها أكثر من تصرف تلقائي حتى لا يعوقها شعرها عن المساعدة.

لكن الصورة فتحت بابًا آخر من الجدل: هيا غير محجبة،

فلماذا كل هذه الإشادة بها؟

وهنا تبدأ القضية الأهم من هيا نفسها.

لا تجعل حكمك على الفعل حكمًا على الإنسان كله

الإسلام لا ينظر إلى الإنسان باعتباره كتلة واحدة من الخير أو الشر.

فقد يكون الإنسان مقصرًا في باب العبادة، محسنًا في باب الرحمة، ومخطئًا في موقف، مصيبًا في آخر؛ والعدل ألا نحول واحدة من هذه الدوائر إلى حكم شامل عليه.

والقرآن يقرر:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾
[هود: 114].
ويقول سبحانه:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: 7-8].

فالحسنة لها قدرها وأثرها، والسيئة لها حسابها، ولا ينبغي أن نتعامل مع أعمال الإنسان كأنها رصيد بشري نخصم منه ما نشاء ونلغي به ما نشاء.

ولا تعني آية ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أن كل حسنة تمحو كل سيئة بلا تفصيل، أو أن العمل الصالح يبيح ترك فريضة أو ارتكاب محرم.

ولذلك فالموقف الصحيح أن نقر بالخير حيث وجد، وننكر الخطأ حيث وجد، ونترك الحكم النهائي على السرائر والمآلات لله سبحانه.

قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾
[يونس: 44].

وقال النبي ﷺ:
لا تحقرن من المعروف شيئًا. رواه مسلم.

وهذه قاعدة في غاية الأهمية:

لا تجعل حكمك على فعل الإنسان حكمًا على الإنسان كله.

الحجاب فريضة.. وفعل الخير يدور بين الندب والفريضة.

نعم، الحجاب فريضة شرعية، ولا ينبغي أن نتردد في قول ذلك.

قال تعالى:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾
[النور: 31].
وقال سبحانه:
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾
[الأحزاب: 59].

لكن تقرير فريضة الحجاب لا يعني أن غير المحجبة إذا فعلت خيرًا لا نشكرها عليه.

وفي المقابل، قيامها بعمل صالح لا يجعل ترك الحجاب مباحًا.

الفريضة لا تلغي الحسنة، والحسنة لا تلغي الفريضة.

ننصح من قصّر في الفريضة، ونشكر من أحسن في المعروف.

هذا هو الإنصاف.

الخير أوسع من الإنسان
وليس فعل الخير مقصورًا على التعامل مع الإنسان وحده.

قال النبي ﷺ: في كل ذات كبد رطبة أجر.
البخاري ومسلم.

وأخبر ﷺ عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، وعن رجل غفر الله له حين سقى كلبًا اشتد به العطش. البخاري ومسلم.

وقال الله تعالى:
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الحج: 77].

فإذا كان الإحسان إلى الحيوان بابًا من أبواب الأجر، فكيف ننظر إلى إنسان رأى مصابًا يحتاج إلى المساعدة، فبادر إلى نجدته، ثم نبحث أولًا عن عيوبه حتى نحرم أنفسنا من رؤية معروفه؟

نشكر الفعل الحسن لأنه حسن.
ولا يحتاج صاحبه إلى أن يكون كاملًا حتى نعترف له بفضله في هذا الموقف.

ولا نظلم المحجبة

والإنصاف له وجه آخر.

فإذا كانت امرأة محجبة شاركت في إنقاذ مصاب، أو شاب اندفع للمساعدة، أو عامل بسيط ظل بجوار جريح، فهؤلاء جميعًا يستحقون الشكر.

لا ينبغي أن تتحول الإشادة بهيا إلى انتقاص من غيرها، كما لا ينبغي أن يتحول عدم حجابها إلى سبب لإنكار ما فعلته.

الخير ليس مباراة بين المحجبات وغير المحجبات.
ولا يحتاج إنسان إلى أن يكون غيره أقل فضلًا حتى يصبح هو صاحب فضل.

المشكلة في الاستقطاب
المؤسف أن الواقعة كشفت استقطابًا أوسع من الحادث نفسه.

هناك من يجحد مرجعية الشريعة أو يشكك في هدايتها، فيستغل كل موقف إنساني ليقول: الإنسانية لا علاقة لها بالدين.

وفي المقابل، هناك من يغلب عليه التشدد والتعصب، فيرى في كل تقصير ديني سببًا لإسقاط كل خير، وفي كل ثناء على شخص مقصر تنازلًا عن الشريعة.

وكلاهما يخطئ.

فليس صحيحًا أن فعل الخير يغني عن الالتزام بالشريعة، وليس صحيحًا أن التقصير في جانب شرعي يمحو كل خير يفعله الإنسان.

الإسلام أعدل من هذا الاختزال.

إنه يأمرنا أن نحسن حيث أحسن الإنسان، وننكر حيث أخطأ، وننصح حيث يحتاج إلى النصيحة، ونعدل في كل ذلك.

قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8].

حتى مع من نختلف معه، لا تسقط العدالة.

النصيحة ليست فضيحة
إذا رأينا امرأة مقصرة في الحجاب، فنحن نؤمن بأنه فريضة، ونتمنى لها الهداية، وننصحها بالحكمة والموعظة الحسنة.

قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[النحل: 125].

لكن النصيحة شيء، والتشهير شيء آخر.

والدعوة شيء، وتحطيم الإنسان شيء آخر.
فلا تجعلوا الحديث عن الفريضة وسيلة لإهانة من أحسن في موقف، ولا تجعلوا الإشادة بالعمل الإنساني وسيلة لإنكار الفريضة.

أعطوا كل شيء حقه، وكل فعل حكمه، وكل إنسان قدره.

هيا ليست القضية كلها

هيا عمرو ليست القضية كلها، وإنما أصبحت قصتها مرآة لقضية أكبر:

هل نستطيع أن نشكر المعروف ممن نختلف معه؟

هل نستطيع أن ننكر الخطأ دون أن ننكر صاحبه؟

هل نستطيع أن نتمسك بالشريعة دون أن نتحول إلى قضاة على الناس؟

وهل نستطيع أن نرفض الجحود بالشريعة دون أن نسقط قيمة الرحمة والإنصاف؟

ينبغي أن تكون الإجابة: نعم.

فلا تجعلوا الحجاب سببًا لإنكار المعروف، ولا تجعلوا المعروف سببًا لإنكار حكم الحجاب.

ولا تجعلوا التدين عصًا نضرب بها المخالف، ولا تجعلوا الإنسانية مطرقة نضرب بها الشريعة.

نشكر هيا على ما فعلت، ونشكر كل من ساعد، محجبًا كان أو غير محجب، رجلًا كان أو امرأة. وإذا كان في حياة أحدهم تقصير، ننصحه بالحكمة، ونسأل الله له الهداية.

وفي لحظة الخطر، لم تكن هيا مطالبة بأن تثبت صورتها الدينية، ولم يكن المصاب مطالبًا بأن يقدم شهادة على التزامه.
كان هناك إنسان يتألم، وكان هناك إنسان يستطيع أن يساعد.

فمدّت يدها.

تلك هي الإنسانية.

أما الحكم على بقية أعمال الإنسان، فله ميزان آخر.

فلا تجعلوا المعصية سببًا لإنكار المعروف، ولا المعروف سببًا لإنكار حكم الله. أعطوا كل فعل حكمه، وكل إنسان قدره، واتركوا السرائر لمن لا يظلم عنده أحد.

فهذا هو الإنصاف.

وهذا هو العدل.

وهذا هو الخلق الذي نحتاج إليه في زمن أصبح فيه الاختلاف أسرع من الرحمة، والحكم على الناس أسهل من فهمهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى