مقال

بين رفض الجريمة وفهم أسبابها.. هل يكفي أن نقول: «قاتل»؟


بقلم الكاتب والصحفي رضوان شبيب
لا أحد يمكنه أن يختلف مع أن الدماء ليست طريقا للعدالة، وأن قتل النفس جريمة لا يجوز تبريرها أو تحويل مرتكبها إلى «بطل» لمجرد أن الرأي العام تعاطف مع دوافعه أو مع ما سبق الواقعة.


لكن في المقابل، هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل رفض الجريمة يعني أن نتوقف عن البحث في أسبابها وملابساتها؟
وهنا تحديدا يأتي الجدل الذي أثارته التصريحات المنسوبة إلى الدكتور أسامة قابيل، أحد علماء الأزهر الشريف، بشأن واقعة سوهاج، بعد انتشار تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تصف المتهم بالبطولة.
نحن في حاجة إلى كلمة حق، ولكنها يجب أن تكون كاملة.
نعم، لا يجوز لأي إنسان أن يأخذ القانون بيده، ولا يجوز أن يتحول الغضب أو الانتقام أو ما يسمى بـ«الشرف» إلى رخصة لإزهاق الأرواح.
لكن أيضًا لا يجوز أن تتحول القضية إلى معادلة بسيطة تقول: هناك قتيل إذن لا حديث إلا عن القاتل.
فالقضايا الجنائية لا تبنى على مقاطع مواقع التواصل الاجتماعي، ولا على التعليقات، ولا على رواية طرف واحد. و إنما تبنى على التحقيقات والأدلة وشهادة الشهود وتقارير الطب الشرعي، وفي النهاية كلمة الفصل للقضاء.
الشرف لا يغسل بالدم.. ولكن الحقيقة لا تدفن أيضًا
إذا أثبتت التحقيقات أن المتهم ارتكب جريمة قتل عمد، فعليه أن يتحمل مسؤوليته أمام القانون.
لكن إذا كانت هناك وقائع سابقة للجريمة، أو خيانة زوجية، أو استفزاز، أو اعتداء، أو ظروف نفسية واجتماعية شديدة التعقيد، فمن حق المجتمع أن يعرفها، لا لتبرير القتل، و إنما لفهم كيف وصلت الأمور إلى هذه النهاية المأساوية.
وهناك فارق كبير بين أن نقول:
«القتل حلال لأنه تعرض للخيانة»
وبين أن نقول:
«القتل جريمة، لكن يجب أن نعرف ماذا حدث قبل الجريمة، وما الظروف التي أحاطت بالمتهم، حتى يقول القضاء كلمته كاملة».
هذا الفارق هو جوهر القضية.
لا تمجيد للقاتل.. ولا شيطنة قبل المحاكمة
المشكلة الحقيقية أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت في كثير من الأحيان محكمة بلا قاض، وأصبح البعض يصدر الأحكام في دقائق.
فريق يصف المتهم بأنه «بطل»، وفريق آخر يصفه بأنه «مجرم» قبل أن تنتهي التحقيقات.
وكلا الطرفين قد يقع في الخطأ نفسه: إصدار حكم قبل أن تكتمل الحقيقة.
نحن لا نطالب بتمجيد مرتكب الجريمة، ولا نطالب بمنحه صك براءة شعبيا، وإنما نطالب بأن نترك للقضاء مهمته، وأن نقرأ الواقعة بكل تفاصيلها، لا أن نختار منها ما يتفق مع مشاعرنا.
وماذا عن الضحايا الآخرين؟
إذا كنا نتحدث عن حرمة الدم، فعلينا أن نحترم دماء جميع الضحايا، وأن نبحث أيضًا في الظروف التي سبقت الواقعة، وفي كل من شارك أو حرض أو تسبب أو اعتدى، إذا أثبتت التحقيقات وجود ذلك.
فالعدالة لا تعرف الانحياز لطرف لمجرد أن قصته أكثر إثارة للمشاعر.
والقانون لا يسأل فقط: من حمل السلاح؟
بل يبحث أيضًا في: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن تسبب؟ وما طبيعة العلاقة بين الأطراف؟ وما الأدلة؟ وما القصد الجنائي؟ وما الظروف المحيطة بالواقعة؟
كلمة للأزهر.. وكلمة للمجتمع
نحن نحترم مؤسسة الأزهر ودورها في حماية الوعي الديني والمجتمعي، ونؤكد أن رسالة علماء الدين يجب أن تظل واضحة في تحريم الاعتداء على النفس ورفض الانتقام الفردي.
لكن المجتمع أيضًا يحتاج إلى خطاب لا يكتفي بإدانة الجريمة، بل يواجه جذور الأزمات الأسرية والاجتماعية التي قد تقود إلى جرائم مأساوية.
فالأسرة التي تنهار، والخيانة التي تخفي، والعنف الذي لا يجد من يوقفه، والمشكلات التي تتراكم خلف الأبواب المغلقة، كلها قضايا تستحق البحث قبل أن تتحول إلى خبر في صفحات الحوادث.
لا نريد أبطالا من القتلة.. ولا نريد قتلى بلا قصة
المطلوب ليس أن نصنع من المتهم بطلا، كما أنه ليس من العدل أن نحوله إلى شيطان في رواية لم تكتمل بعد.
المطلوب أن نعرف الحقيقة كاملة.
أن نرفض القتل، ونرفض الخيانة إن أثبتت، ونرفض الانتقام، ونرفض أخذ القانون باليد، ونرفض في الوقت نفسه أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محكمة تصدر أحكامها قبل القضاء.


فالدم لا يُغسل بالدم، والشرف لا يُسترد بالانتقام، والعدالة لا تتحقق بالشائعات.
لكن العدالة أيضًا لا تكتمل إلا عندما نعرف كل الحقيقة، ونترك الحكم لمن يملك أدوات التحقيق وسلطة الفصل: القضاء.
وفي النهاية، السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس:
هل المتهم بطل أم قاتل؟
بل:
ماذا حدث فعلًا؟ ومن المسؤول؟ وهل عرفنا القصة كاملة قبل أن نصدر أحكامنا؟
فإذا أردنا مجتمعًا يحترم القانون، فعلينا أن نرفض الجريمة، لكن علينا أيضًا أن نحترم الحقيقة.
القانون وحده هو الذي يملك الكلمة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى