مقال

الشكر سرُّ دوام النِّعم وبوابةُ نهضة الأمم”

سلسلة: الوصايا الخالدة… قراءة معاصرة في سورة لقمان”
المقال الثاني:

بقلم / الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾،[لقمان: 12].
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتزداد فيه المطالب والطموحات، أصبح كثيرٌ من الناس ينظر إلى ما ينقصه أكثر مما ينظر إلى ما يملكه، حتى غابت ثقافة الامتنان، وحلَّ محلها التذمر والمقارنة الدائمة بالآخرين.


وجاءت سورة لقمان لتضع قاعدةً تربويةً عظيمة، فجعلت أول مظاهر الحكمة هو الشكر؛ لأن القلب الذي يعرف فضل الله، هو القلب القادر على البناء والعطاء والإصلاح.
ولم تقل الآية: “آتينا لقمان المال” أو “السلطان”، وإنما قالت: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾، وكأن أول ثمار الحكمة أن يعرف الإنسان المنعم الحقيقي، وأن يعيش حياة الامتنان لله.


أولا:الشكر ليس كلمة بل منهج حياة:
الشكر في الإسلام ليس مجرد عبارة تقال باللسان، بل هو منظومة متكاملة تقوم على ثلاثة أركان:
١)شكر القلب بالاعتراف بفضل الله.
٢)وشكر اللسان بالحمد والثناء.
٣)وشكر الجوارح باستعمال النعم في طاعة الله وخدمة الناس.
قال تعالى:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، [إبراهيم: 7].
إنها قاعدة ربانية ثابتة: الشكر يجلب الزيادة، والكفر بالنعم يجلب الحرمان.
وقال رسول الله ﷺ:
«من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
(رواه أبو داود والترمذي، حديث صحيح).
فالشكر يبدأ مع الله، ويمتد إلى الوالدين، والمعلمين، والأصدقاء، وكل صاحب فضل.
ثانبا :: لماذا جعل الله الشكر مفتاح الحكمة؟:
لأن الإنسان الشاكر يرى الفرص حيث يرى غيره العقبات.
ويرى الخير وسط الابتلاء.
ويؤمن أن كل نعمة رسالة، وكل ابتلاء تربية، وكل تأخير حكمة.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.
أي أن ثمرة الشكر تعود أولًا على الإنسان نفسه؛ طمأنينةً، وسكينةً، وسعادةً، وبركةً في الرزق والعمر والعمل.
ثالثا:: الشكر ،والصحة النفسية:
أثبتت الدراسات الحديثة في علم النفس الإيجابي أن الأشخاص الذين يمارسون الامتنان يوميًا يتمتعون بنسبة أعلى من الرضا عن الحياة، وانخفاض معدلات القلق، والاكتئاب، وتحسن جودة النوم ،والعلاقات الاجتماعية.
وهذا ما سبق إليه القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.
فالإنسان حين يعتاد رؤية النعم، تتغير نظرته إلى الحياة، ويصبح أكثر توازنًا وأملًا وقدرةً على مواجهة الأزمات.
إن الامتنان ليس مجرد شعور جميل، بل دواء للقلب، وغذاء للعقل، وطاقة للروح.
رابعا : الشكر أساس نهضة الأمم:
لا تنهض الأمم بكثرة الموارد وحدها، وإنما بحسن استثمارها.
والأمة الشاكرة تحفظ نعمها، وتصون مقدراتها، وتحترم الوقت، وتقدر العلم، وتحافظ على البيئة، وتكرم الإنسان.
أما إذا تحولت النعم إلى إسراف، والرخاء إلى ترف، والقوة إلى ظلم، فإن النعمة تتحول إلى نقمة.
قال تعالى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً… فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ). [النحل: 112].
خامسا : كيف نربي أبناءنا على الشكر؟:
أن نعلمهم نسبة الفضل إلى الله.
أن نعودهم قول “الحمد لله” في كل أحوالهم.
أن نغرس فيهم احترام جهود الآخرين.
أن نشاركهم أعمال الخير والعطاء.
أن نربيهم على المحافظة على الممتلكات العامة والخاصة.
أن يكون الوالدان قدوة عملية في الامتنان والقناعة.
فالطفل يتعلم بالشاهد أكثر مما يتعلم بالموعظة.
سادسا :ومضة تربوية:
ليس الغني من كثرت أمواله، وإنما الغني من امتلأ قلبه بالشكر.
وليس الفقير من قل ماله، وإنما الفقير من فقد نعمة الرضا.
إن القلب الشاكر يعيش سعيدًا ولو كانت إمكاناته محدودة، بينما القلب الجاحد يظل تعيسًا ولو امتلك الدنيا بأسرها.
قال الشاعر :
إذا كنتَ في نعمةٍ فارعها
فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعَمْ
وداومْ عليها بشكرِ الإلهِ
فشكرُ الإلهِ يزيدُ النِّعَمْ


الخاتمة:
إن رسالة سورة لقمان ليست مجرد وصايا تُتلى، بل مشروع حضاري متكامل لبناء الإنسان.
وأول لبنة في هذا المشروع هي الشكر؛ لأنه يصنع الإنسان المتوازن، والأسرة المستقرة، والمجتمع المتماسك، والأمة القادرة على النهوض.
فلنجعل من كل صباح بدايةً لحمد الله، ومن كل نعمة دافعًا للعطاء، ومن كل نجاح وسيلةً لخدمة الإنسانية.
فما دام القلب شاكرًا، فإن أبواب الخير لا تُغلق، وما دامت الألسنة تلهج بالحمد، فإن رحمة الله تتنزل، وبركات السماء والأرض تتتابع.
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾… وعدٌ إلهي لا يتخلف، وسنة ربانية لا تتبدل، ودستورٌ خالد لكل فردٍ يريد السعادة، ولكل أمةٍ تطمح إلى النهضة.
المراجع العربية :
١)تفسير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار هجر.
٢)تفسير ابن كثير، دار طيبة.
٣)الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية.
٣)إحياء علوم الدين، كتاب الشكر والصبر.
٤)مدارج السالكين، باب الشكر.
٥)رياض الصالحين، باب الشكر.
٦)صحيح البخاري، كتاب الرقاق وكتاب الأدب.
٧)صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى