مقال

اطياف المواسم

بين حكمة القدر وذاكرة القلب

بقلم:د. زبن العلي

ليست كل المسافات تقاس بالأميال ولا كل حالات الغياب تعني الرحيل فثمة أرواح إذا عبرت حياتنا تركت في أعماقنا أثرا

لا يمحوه الزمن وكأنها أصبحت جزءا من تكويننا الإنساني

عندها لا يعود الخيال مجرد استحضار لصورة
بل يتحول إلى ذاكرة حية

تعبر في داخلنا كما تعبر المواسم دورة الحياة تتبدل ملامحها لكن حقيقتها لا تتغير

فالربيع لا يسأل الأشجار إن كانت مستعدة للإزهار

والخريف لا يستأذن الأوراق قبل أن يحملها إلى الأرض

وكذلك الأقدار تمضي في صمت

لا تكشف أسرارها إلا بعد أن تكتمل صورتها

وما نراه اليوم غيابا

قد يكون في ميزان الحكمة الإلهية طريقا إلى لقاء أكثر نضجا أو درسا يهيئ القلب لمعنى لم يكن يدركه من قبل

إن الإنسان يقضي جزءا كبيرا من حياته وهو يحاول مقاومة ما لا يملك تغييره

بينما تكمن الطمأنينة في إدراك أن هناك نظاما أعظم من رغباتنا

وأن لله في كل تأخير حكمة
وفي كل انتظار تربية للنفس

وفي كل منع عطاء قد لا يظهر إلا بعد حين

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الغياب ذاته

بل محاولته تفسير كل ما يحدث بعقله المحدود

فالحياة لا تقرأ دائما بمنطق الحسابات وإنما تفهم أحيانا بلغة الإيمان

الإيمان بأن الله لا ينسى دعاء صادقا ولا يضيع قلبا أحسن الظن به

وأن ما كتبه لعباده سيأتي في الوقت الذي يكونون فيه أكثر قدرة على احتضانه

إن العلاقات الإنسانية ليست مجرد لقاءات عابرة بل هي امتحان للقيم التي نحملها
فالوفاء لا يختبر في لحظات القرب

وإنما في زمن الغياب والمحبة لا تثبتها الكلمات بل يبرهنها الصبر والاحترام والدعاء وحفظ الود مهما تبدلت الظروف

ومن هنا فإن اليقين ليس إنكارا للألم

بل هو القدرة على العبور من خلاله دون أن نفقد ثقتنا بالله

إنه ذلك النور الخفي الذي يجعل الإنسان يؤمن بأن لكل فصل نهاية

وأن الشتاء مهما طال لا يستطيع أن يمنع قدوم الربيع

ولذلك
حين يعبر خيال إنسان في أعماقنا (كأطياف المواسم)

لا يكون حضوره مجرد ذكرى بل يصبح

شاهدا على أن بعض الأرواح خلقت لتترك أثرا يتجاوز الزمن

ويبقى الإيمان بالله هو الحقيقة التي لا تتبدل

فكل ما كتبه لنا سيبلغنا لا قبل أوانه ولا بعده
وإنما في اللحظة التي تلتقي فيها حكمة السماء مع استعداد القلب

ليكتشف الإنسان أن أجمل الأقدار هي تلك التي جاءت في موعدها الإلهي لا في موعد أمنياته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى