شبهات وردود حول النسخ

بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس
لا يتعجب أحد إذا رأى طبيبًا يغيِّر دواء مريضه بعد أن تتحسن حالته، ولا يستغرب أن ينقل المعلم طلابه من كتاب إلى آخر كلما تقدموا في مراحل التعلم. بل إننا نعد ذلك دليلًا على الخبرة وحسن التدبير؛ لأن لكل مرحلة ما يناسبها، ولكل ظرف ما يلائمه.
لكن العجيب أن بعض الناس إذا قرأ عن النسخ في القرآن الكريم، سارع إلى اتهامه بالتناقض أو الاضطراب، وكأن انتقال التشريع من حكم إلى آخر لا يحتمل إلا معنى واحدًا، هو الخطأ أو التراجع.
وهنا تبدأ المشكلة.
فكثير من الشبهات المثارة حول النسخ لا ترجع إلى النصوص نفسها، وإنما إلى تصور غير صحيح لمعنى النسخ، والخلط بينه وبين مفاهيم أخرى لا تمت إليه بصلة.
ولذلك، قبل أن نصدر الأحكام، ينبغي أن نفهم النسخ كما فهمه علماء الإسلام، لا كما صوره خصومه. فكم من فكرة هوجمت، لا لعيب فيها، وإنما لأنها فُهمت على غير وجهها.
هل غيَّر الله حكمه؟
هذه هي أشهر الشبهات التي يرددها المشككون.
ويتصور أصحابها أن الله شرع حكمًا، ثم بدا له بعد ذلك أن يغيره، وكأن الحكم الأول لم يكن صوابًا.
ولو كان هذا هو معنى النسخ، لكان الاعتراض مفهومًا.
لكن هذا ليس هو النسخ الذي جاء به القرآن، ولا الذي قرره علماء الإسلام.
فالله سبحانه ليس كالبشر، يتعلم بالتجربة، أو يكتشف اليوم ما كان يجهله بالأمس. إنه العليم الذي أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يتجدد له علم، ولا تتبدل حكمته.
ولهذا فإن النسخ لا يعني تغير علم الله، وإنما يعني أن الله شرع حكمًا لمدة يعلمها منذ الأزل، ثم جعل له نهاية معلومة، ليأتي بعده حكم آخر كان مقدرًا ومعلومًا عنده كذلك. فالخطة واحدة، والعلم واحد، والحكمة واحدة، وإنما الذي يتغير هو حال الناس والمرحلة التي يعيشونها.
ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث في بداية قيام الدولة الإسلامية.
فقد كانت أمة ناشئة، قليلة العدد، محدودة العدة، تتربص بها قوى أكبر منها تريد القضاء عليها قبل أن تشتد شوكتها. وفي مثل هذه الظروف لا يكفي السلاح وحده، بل لا بد من صناعة رجال يمتلكون عزائم لا تلين، ويؤمنون بقضيتهم إيمانًا يجعلهم يصمدون أمام كل التحديات.
من أجل ذلك جاء التكليف شديدًا؛ ليبني النفوس قبل أن يخوض المعارك، وليصنع جيلًا يعلم أن الهزيمة تبدأ من الداخل قبل أن تقع في ميدان القتال.
فلما تحقق هذا المقصد، وكثر المسلمون، وقويت دولتهم، واتسعت مواردهم، جاء التخفيف، لا لأن الحكم الأول كان خطأ، بل لأنه أدى رسالته كاملة، وأصبحت المرحلة الجديدة تحتاج إلى حكم يناسبها.
ولهذا عبَّر القرآن عن هذا الانتقال بأجمل تعبير، فقال:
«﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾
(الأنفال: 66).»
تأمل كلمة “خفف”.
لم يقل: صحح.
ولم يقل: تراجع.
ولم يقل: بدا له غير ما كان.
بل وصف الأمر بأنه تخفيف ورحمة بعد أن حقق الحكم الأول غايته.
إنها كلمة واحدة، لكنها كافية لإسقاط هذه الشبهة من أساسها.
أين وقع الخلط؟
السبب أن بعض النقاد خلطوا بين النسخ وبين ما يسميه علماء العقيدة البداء.
والبداء معناه أن يظهر للإنسان ما لم يكن يعلمه من قبل، وهذا يقع من البشر؛ لأن علمهم ناقص، وتجاربهم محدودة.
أما الله سبحانه، فلا يخفى عليه شيء، ولا يطرأ على علمه جديد، ولا تتغير حكمته بتغير الأحداث.
ولهذا أجمع علماء المسلمين على أن البداء مستحيل في حق الله، أما النسخ فهو تشريع مقصود، يسير وفق علم الله الأزلي وحكمته البالغة.
فالفرق بينهما كالفرق بين الجهل والعلم، وبين النقص والكمال.
وهل يناقض القرآن نفسه؟
ويبقى سؤال يطرحه بعض الناس: إذا جاءت آية بحكم، ثم جاءت آية أخرى بحكم مختلف، فكيف لا يكون ذلك تناقضًا؟
والجواب أن التناقض يعني أن يجتمع حكمان متضادان في الوقت نفسه، وفي الظروف نفسها، بحيث يستحيل العمل بهما معًا.
أما النسخ فلا يعرف هذا المعنى.
فلكل حكم زمنه، ولكل مرحلة ظروفها، فإذا انتهت المرحلة الأولى، بدأ العمل بالحكم الذي يناسب المرحلة التالية.
أليس الطالب يدرس في المرحلة الابتدائية كتبًا تختلف عن كتبه في المرحلة الثانوية؟
وهل يقول أحد إن المدرسة تناقضت لأنها غيرت المقررات؟
بالطبع لا.
فالكتب الأولى لم تكن خطأ، وإنما كانت مناسبة لعمر معين، ثم جاء ما يناسب مرحلة أخرى.
وهذا هو ما فعله القرآن في بناء الأمة.
لم ينقل المجتمع دفعة واحدة، ولم يكلفه بما لا يطيق، وإنما رباه بالتدرج، حتى اكتمل بناؤه، واستقرت أحكامه، وأصبح قادرًا على حمل رسالة الإسلام إلى العالم.
وهكذا يتبين أن ما يراه بعض الناس تناقضًا، ليس في الحقيقة إلا انتقالًا حكيمًا من مرحلة إلى مرحلة، وفق علم الله، وحكمته، ورحمته.
ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كان النسخ بهذه الحكمة، فلماذا انتهى بانتهاء الوحي؟ ولماذا لا يجوز لأحد اليوم أن يغيِّر حكمًا شرعيًا بحجة أن الزمن قد تغير؟
هذا ما سنجيب عنه في المقال القادم بإذن الله.



