الرحمة لا المدة تغير عدة المتوفى عنها زوجها

بقلم د كامل عبد القوى النحاس
قد تتغير الأحكام المرحلية، لكن المقاصد الكبرى تبقى ثابتة؛ فالنسخ لا يرفع الرحمة، وإنما ينقلها إلى صورتها الأكمل.
إذا كان المقال السابق قد أبرز كيف أسهم النسخ في بناء المجتمع الإسلامي من خلال نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فإن هذا المقال يكشف وجهًا آخر لا يقل إشراقًا، وهو كيف راعى التشريع الإسلامي أحوال المرأة، وانتقل بها من نظام مرحلي اقتضته ظروف التأسيس إلى نظام دائم استقر عليه الحكم بعد اكتمال البناء التشريعي.
ولكي نفهم هذا المثال فهمًا صحيحًا، ينبغي أولًا أن نستحضر حال المرأة قبل الإسلام؛ فقد كانت الأرملة في كثير من البيئات الجاهلية تعاني أوضاعًا قاسية، وتخضع لأعراف لا تراعي إنسانيتها ولا تحفظ كرامتها، بل كانت في بعض القبائل تعد جزءًا من تركة الزوج، وقد تحرم من حقوقها المالية، أو تبقى أسيرة عادات موروثة لا تستند إلى عدل ولا رحمة.
فلما جاء الإسلام، لم يبدأ بفرض أحكام متفرقة، وإنما أقام منظومة متكاملة أعادت للمرأة إنسانيتها، وأثبتت ذمتها المالية، وجعلت لها حق التملك، وحق الميراث، وحق النفقة، وحق الكرامة، وجعل العلاقة الزوجية ميثاقًا غليظًا، لا علاقة عابرة تنتهي بانتهاء الحياة.
ومن هنا ينبغي أن تُقرأ أحكام العدة في إطار هذه المنظومة الكاملة، لا أن تُقتطع من سياقها فتبدو وكأنها عبء على المرأة، بينما هي في حقيقتها جزء من نظام متكامل يرعى الأسرة، ويحفظ الأنساب، ويصون الحقوق، ويكرم المرأة في مختلف أحوالها.
ومن أكثر أمثلة النسخ دلالة على هذه الحكمة ما يتعلق بعدة المرأة المتوفى عنها زوجها.
فقد قال الله تعالى مبينا أن عدة المتوفى عنها زوجها سنة كاملة :
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[البقرة: 240]
ثم نسخ الله ذلك بتخفيف العدة فى آيتين:
الأولى: فى عدة من توفى عنها زوجها وهى غيرحامل.
الثانية: من توفى عنها زوجها وهى حامل
فقال تعالى :
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234].
وقد بيّن جمهور العلماء أن الحكم الأول كان مناسبًا لمرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي؛ إذ كانت الأرملة في حاجة إلى حماية اجتماعية ومعيشية أكبر، فشرع لها البقاء في بيت زوجها عامًا كاملًا مع حقها في السكنى والنفقة من تركته، حتى لا تجد نفسها فجأة بلا مأوى ولا معيل، في مجتمع لم تكن مؤسساته الاجتماعية قد اكتملت بعد، ولم تكن منظومة الحقوق الأسرية قد استقرت على صورتها النهائية.
ثم لما نزلت آيات المواريث، وأصبحت للمرأة حقوق مالية مقررة، واستقر نظام الأسرة، واكتملت الأحكام المنظمة للعلاقات المالية والاجتماعية، انتقل التشريع إلى حكمه الدائم، فجعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام.
ولم يكن هذا النسخ مجرد انتقال من مدة إلى مدة، بل كان مظهرًا واضحًا من مظاهر الرحمة الإلهية بالمرأة، وصورة من صور التيسير الذي امتازت به الشريعة الإسلامية.
فبعد أن كانت العدة في المرحلة الأولى تمتد عامًا كاملًا، بما يترتب على ذلك من طول مدة الإحداد، وتأخر إمكان الزواج من جديد، خفف الله عنها، فجعل عدتها ـ إذا لم تكن حاملًا ـ أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي مدة تحقق مقاصد العدة، دون أن تحمل المرأة فوق ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
وهكذا يتبين أن النسخ هنا لم يأت بالتشديد، بل جاء بالتخفيف، ولم ينتقص من حق المرأة، بل نقلها إلى حكم أيسر، بعد أن زالت الظروف التي اقتضت الحكم الأول، وهو ما يؤكد أن النسخ قد يكون وجهًا من وجوه الرحمة، كما يكون وسيلة من وسائل التدرج في التشريع، وأن مقصوده الدائم هو تحقيق مصالح العباد، لا مجرد استبدال حكم بحكم.
ولم يقف هذا التخفيف عند المرأة غير الحامل، بل راعى القرآن الكريم حال المرأة الحامل، فلم يُلزمها بإتمام أربعة أشهر وعشرة أيام إذا وضعت حملها قبل ذلك، وإنما جعل انتهاء حملها نهايةً لعدتها، سواء طالت المدة أم قصرت،
فقال سبحانه:
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
فقد يتوفى الزوج عن زوجته، ثم تضع حملها بعد أيام قليلة أو أسابيع، فتنقضي عدتها بوضع الحمل، ويجوز لها بعد ذلك أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها وفق أحكام الشريعة.
وهذا من أوضح الشواهد على أن التشريع الإسلامي لا ينظر إلى الناس نظرةً جامدة، وإنما يراعي اختلاف أحوالهم، ويضع لكل حالة ما يناسبها من الأحكام، في إطار يجمع بين العدل والرحمة.
ومن المهم هنا أن نلفت النظر إلى أن:
العدة شيء
والإحداد شيء آخر
وإن كانا يجتمعان في حق المتوفى عنها زوجها.
فالعدة هي المدة التي حددها الشرع وتترتب عليها أحكامها.
أما الإحداد فهو ما شرعه الإسلام للمرأة في هذه المدة من ترك الزينة ونحوها إظهارًا للوفاء للزوج، وصيانةً لحرمة الحياة الزوجية.
ولكل منهما حكمته التي فصلها الفقهاء، فلا يصح الخلط بينهما أو بناء الأحكام على غير أساس.
ومن الخطأ أيضًا أن تُفهم العدة على أنها عقوبة فرضها الإسلام على المرأة، أو قيد على حريتها؛ لأن فلسفة العدة أبعد من ذلك وأعمق.
فهي تحفظ الأنساب، وتؤكد احترام رابطة الزوجية، وتمنح المرأة فرصة لتجاوز صدمة الفقد، كما تمنع التعجل في الانتقال إلى زواج جديد قبل استقرار الأحوال النفسية والأسرية.
ومن تأمل التشريع الإسلامي في مجموعه، وجد أن الإسلام لم يترك الأرملة تواجه مصيرها وحدها، بل أحاطها بجملة من الحقوق والضمانات؛ فجعل لها نصيبًا مفروضًا من الميراث، وحفظ حقها في الكرامة، وأوجب على المجتمع احترام حقوقها، ومنع الاعتداء عليها أو أكل مالها، وأقام منظومة متكاملة من الرعاية لم تكن تعرفها كثير من المجتمعات آنذاك.
وهكذا يتبين أن النسخ لم يكن انتقاصًا من حق المرأة، بل كان انتقالًا بها من نظام رعاية استثنائي اقتضته ظروف مرحلة التأسيس، إلى منظومة حقوقية مستقرة بعد اكتمال التشريع. وكلما اكتملت البنية التشريعية، استقرت الأحكام، وظهرت حكمة الله تعالى في أن المقاصد تبقى ثابتة، وإن تغيرت بعض الوسائل في أثناء البناء.
ومن هذا المثال يتعلم الفقيه درسًا بالغ الأهمية
فبانقطاع الوحي استقرت الأحكام القطعية، ولم يعد لأحد أن يغير عدة الوفاة، أو أنصبة الميراث، أو غيرها من الأحكام التي ثبتت بنصوص محكمة.
غير أن باب الاجتهاد لم يُغلق، بل بقي مفتوحًا في كل ما يحقق مقاصد هذه الأحكام، ويصون المرأة، ويحفظ حقوقها، ويمنع الظلم عنها، ويضع من الأنظمة والإجراءات ما يكفل لها حياة كريمة، دون مساس بما استقر عليه حكم الله تعالى.
فالاجتهاد اليوم لا يكون في تغيير العدة، وإنما في توفير الضمانات الاجتماعية، وتسريع حصول المرأة على حقوقها المالية، وحمايتها من التعسف بمنع زواجها بعد العدة، أو بمنع المماطلة في تسليم ميراثها أو منقولاتها أو مؤخر صداقها، وإيجاد الأنظمة التي تحقق مقصد الشريعة في حفظ كرامتها ورعاية شؤونها، وهو ما يؤكد أن الشريعة تجمع بين ثبات النصوص ومرونة الوسائل.
وبذلك يظهر أن النسخ لم يكن يومًا دليل نقص أو اضطراب، وإنما كان وجهًا من وجوه الرحمة الإلهية، التي راعت اختلاف المراحل، وخففت عن المكلفين، حتى اكتمل التشريع واستقرت الأحكام على الصورة التي أرادها الله لعباده.
ما الذي تعلمناه؟
أن النسخ لا يبدل القيم ولا ينتقص من الحقوق، وإنما ينقل التشريع من حكم مرحلي إلى حكم دائم.
وأن تكريم المرأة ظل ثابتًا قبل النسخ وبعده، وإنما تجلت رحمة الشريعة في أن خففت عنها حين اكتمل البناء التشريعي.
وبقي بعد ذلك باب الاجتهاد مفتوحًا في كل وسيلة تحقق مقاصد الشرع، دون أن تمس أحكامه القطعية.
