عندما يصبح الكرم اختبارا لقدرة الدولة

بقلم : عماد نويجى
ليست قضية اللجوء مجرد أرقام تضاف إلى تعداد السكان بل هي قضية تمس الأمن والاقتصاد والخدمات والنسيج الاجتماعي في الوقت نفسه
الدولة التي تستقبل ملايين البشر الهاربين من الحروب والكوارث تقدم واجبا إنسانيا يحسب لها أمام العالم لكنها في المقابل تتحمل تكلفة قد لا يشعر بها إلا المواطن الذي يقف في طابور المستشفى أو يبحث عن شقة أو يحاول توفير احتياجات أسرته في ظل ارتفاع الأسعار
وجود أعداد كبيرة من اللاجئين في دولة تعاني أصلا من ضغوط اقتصادية يفرض تحديات حقيقية على الموارد المحدودة فكل زيادة في عدد السكان تعني احتياجا أكبر إلى المياه والكهرباء والوقود والمدارس والمستشفيات ووسائل النقل وشبكات الصرف والطرق وهي بنية أساسية تحتاج إلى استثمارات ضخمة حتى تستطيع مواكبة هذا النمو السريع
كما يؤدي ارتفاع الطلب على السكن إلى زيادة الإيجارات وأسعار العقارات في بعض المناطق ويرفع الطلب على السلع الغذائية والخدمات المختلفة وهو ما قد ينعكس على الأسعار إذا لم يقابله نمو مواز في الإنتاج والمعروض كما تزداد المنافسة في بعض قطاعات سوق العمل خاصة الأعمال منخفضة الدخل مما يثير مخاوف بعض المواطنين من تراجع الأجور أو صعوبة الحصول على فرص عمل
ومن ناحية أخرى تتحمل الدولة أعباء إضافية في مجالات الأمن والإدارة وتنظيم الإقامة ومراقبة الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية والتأكد من عدم استغلال بعض الجماعات الإجرامية أو المتطرفة لحركة النزوح الكبيرة وهو تحد يحتاج إلى يقظة دائمة وإمكانات بشرية ومالية كبيرة
لكن الصورة لا تكتمل إذا اقتصر الحديث على السلبيات فقط فالتاريخ يثبت أن اللاجئين قد يمثلون أيضا طاقة اقتصادية وبشرية إذا أحسن دمجهم وتنظيم وجودهم فكثير منهم يمتلك خبرات مهنية ورؤوس أموال ومشروعات صغيرة تسهم في تنشيط الأسواق وخلق فرص عمل وزيادة الاستثمارات كما يضيفون تنوعا في المهارات والخبرات ويزيدون حجم الاستهلاك بما يحرك بعض القطاعات الاقتصادية
وتستفيد الدولة كذلك من الدعم الذي تقدمه بعض المنظمات الدولية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة وإن كان هذا الدعم في كثير من الأحيان لا يغطي كامل التكلفة التي تتحملها الدولة المضيفة
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين الواجب الإنساني وحقوق المواطن فلا يمكن لدولة أن تتحمل أعباء مفتوحة إلى ما لا نهاية دون تخطيط أو دعم دولي عادل كما لا يجوز في الوقت نفسه تحميل كل لاجئ مسؤولية الأزمات الاقتصادية التي قد تكون لها أسباب متعددة
إن إدارة ملف اللجوء تحتاج إلى سياسات واضحة تقوم على تسجيل دقيق للأعداد وتنظيم سوق العمل ومنع المخالفات وتوزيع الأعباء بعدالة مع مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته وعدم ترك الدول المستقبلة وحدها في مواجهة التكاليف
فالنجاح لا يقاس بعدد من عبروا الحدود بل بقدرة الدولة على حماية أمنها ومواردها وحقوق مواطنيها مع الحفاظ على قيمها الإنسانية لأن الدولة القوية هي التي تستطيع أن توازن بين الرحمة والمصلحة وبين الواجب والسيادة