بقلم / محمـــد الدكـــروري
إذا كانت صفة الرحمة للمولى جل جلاله وقد تحلى النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق الرفيع فإن القرآن الكريم والسنة النبوية قد حثا أهل الإيمان بالتحلي بهذا الخلق العالي فهي فطرة حيث قال الله تعالى ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ” وكما هي من صفات المؤمنين حيث قال الله تعالى ” محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم ” وهذا هو رسول الله المصطفي صلى الله عليه وسلم الذي مر صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس مزدحمون عليها فقال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه أدرك خالدا، فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا” ولما أسر سهل بن عمرو في بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دعنى أنزع ثنية سهيل بن عمرو، ويدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
” لا أمثل به فيمثل الله بي، وإن كنت نبيا عسى أن يقوم مقاما لا تذمه” وهذا هو المقام الذي قامه سهيل بمكة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب ونجم النفاق بالمدينة وغيرها فقام بمكة فخطب الناس وثبتهم على الدين الحنيف، فكان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه عند توزيع الأسرى ” إستوصوا بالأسرى خيرا ” وأعفى الأسرى الفقراء من الفدية رحمة بهم كما فعل مع أبي عزة عمر بن عبد الله لما ذكر له بأنه أبا لفتيات وهو فقير لا يقدر على الفدية، فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم جارية من السبايا فقال لها من أنت؟ قالت أنا بنت حاتم الجود، فقال صلي الله عليه وسلم “ارحموا عزيز قوم ذل، ارحموا عالما ضاع بين جهال” كما تجاوز عن قريش وما أدراك ما فعلت قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فكان موقفه ممن كانوا حربا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال صلى الله عليه وسلم لهم “ما تظنون أني فاعل بكم؟
فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء” وكان يدعو صلى الله عليه وسلم لمخالفيه من غير المسلمين بالهداية، فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا يا رسول الله إن دوسا قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقيل هلكت دوس فقال صلى الله عليه وسلم “اللهم اهدي دوسا وأئت بهم” ودعا صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة قبل إسلامها، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اللهم اهدي أم أبي هريرة ” فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما جئت فصرت إلى الباب.
فإذا هو مجاف، فسمعت أمي، خشف قدمي، فقالت مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح” وقيل أنه جاء الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم اهدي ثقيفا” قالوا يا رسول الله ادع عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم ” اللهم اهدي ثقيفا” فعادوا فعاد، فأسلموا وكانوا ممن ثبت يوم الردة، ومن صور الدعاء ما كان من اليهود حيث كانوا يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله، فلم يحرمهم من الدعوة بالهداية والصلاح، فكان يقول “يهديكم الله ويصلح بالكم” وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا مخالفيه من غير المسلمين، فقبل هدية زينب بنت الحارث اليهودية.
امرأة سلام بن أبي مشكم في خيبر، حيث أهدت له شاة مشوية قد وضعت فيها السم، وقد قرر الفقهاء قبول الهدايا من الكفار بجميع أصنافهم حتى أهل الحرب قال في المغني ” ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس صاحب مصر” وكما تظهر رحمته النبي صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وألين عبارة.
