بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس
يظن بعض الناس أن الحج، لكثرة مناسكه وتعدد أعماله، مثال على التكليف الشاق، لكن المتأمل في تفاصيله يكتشف حقيقة مدهشة؛
فهذه العبادة العظيمة التي يجتمع فيها ملايين البشر بُنيت في جوهرها على التيسير ورفع الحرج. و
كلما ازدادت المشقة المحتملة، اتسعت أبواب الرخص والتخفيفات، حتى يظهر بوضوح أن مقصود الشريعة هداية الناس إلى الله لا إرهاقهم أو تحميلهم ما لا يطيقون.
ومع اقتراب نهاية المناسك تتجلى هذه الحقيقة بصورة خاصة، حين يخيّر الله الحجاج بين التعجل والتأخر، فيقول سبحانه:
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
جاءت هذه الآية في ختام أعمال منى لتؤكد أن الشريعة لا تحصر الناس في صورة واحدة جامدة، بل تفتح لهم أبواب السعة ما دام المقصود الأعظم محفوظًا، وهو التقوى والطاعة. فمن شاء التعجل بعد اليوم الثاني من أيام التشريق فله ذلك، ومن شاء التأخر إلى اليوم الثالث فله ذلك أيضًا، دون حرج أو تضييق.
ومن يتأمل رحلة الحج كلها يجد أن هذا التيسير ليس حكمًا منفردًا في آخر المناسك، بل سمة ظاهرة في معظم أعمال الحج من بدايتها إلى نهايتها.
فالوقوف بعرفة، وهو الركن الأعظم الذي قال فيه النبي ﷺ: «الحج عرفة»، لم يُكلَّف فيه الناس ما يشق عليهم.
فليس المفروض الوقوف ساعات طويلة في مكان محدد داخل عرفة، بل يكفي أن يدرك الحاج الوقوف في أي جزء من أرض عرفة خلال وقته الشرعي على أن يلحق اى جزء من وقت بعد الغروب.
وعليه فمن لم يصل إليها نهارًا، ثم أدركها ليلًا قبل طلوع فجر يوم النحر، فقد أدرك الوقوف وصح حجه.
وكأن الشريعة تريد أن تؤكد أن المقصود حضور القلب والامتثال لله، لا تعقيد الإجراءات وإحاطة الركن بالمشقات.
ثم تأتي مزدلفة، بعد يوم طويل من الوقوف والدعاء، فتظهر الرحمة الإلهية مرة أخرى. فقد رخّص النبي ﷺ للضعفاء والنساء وكبار السن ومن معهم في الدفع من مزدلفة قبل اشتداد الزحام، مراعاة لأحوالهم ودفعًا للمشقة عنهم. و
لم يجعل الشرع الناس سواء في القدرة والاحتمال، بل راعى اختلاف ظروفهم وحاجاتهم.
وكذلك المبيت بمنى، وهو من شعائر الحج العظيمة، جاءت أحكامه محاطة بالتيسير ومراعاة الأعذار.
فلم يقصد الشرع من المبيت التضييق على الناس أو تحميلهم ما لا يحتملون، بل قصد تحقيق معنى البقاء في المشاعر وإحياء الذكر والارتباط بالمناسك، مع مراعاة ما قد يطرأ من حاجات أو مشقات.
أما رمي الجمرات، الذي يشهد عادة كثافات بشرية كبيرة، فقد فتحت الشريعة فيه باب التوكيل للعاجز والمريض وكبير السن ومن تلحقه مشقة ظاهرة. فبدل أن تتحول العبادة إلى ضرر أو خطر، شرع التوكيل تحقيقًا للمقصود مع حفظ النفس ودفع الحرج.
وتزداد روعة هذا التيسير إذا تذكرنا أن الحج يجمع ملايين البشر من مختلف الأعمار واللغات والثقافات في زمان ومكان محدودين.
ففي مثل هذا الاجتماع الإنساني الهائل قد تبدو المشقة أمرًا لا مفر منه، ومع ذلك جاءت الأحكام الشرعية مرنة في مواقيت بعض الأعمال وكيفياتها، وجاءت الرخص لتمنع تحول الزحام إلى عسر أو أذى، مما يكشف عن حكمة تشريع راعى طبيعة الإنسان قبل أن يكلفه.
ولعل يوم النحر يمثل أوضح صور هذا التيسير؛ فقد سُئل النبي ﷺ مرارًا عن تقديم بعض المناسك على بعض، وعن التأخير بينها، فكان جوابه المتكرر: «افعل ولا حرج».
فالحاج قد يحلق قبل أن يرمي، أو يطوف قبل بعض الأعمال الأخرى، ومع ذلك يبقى باب التيسير مفتوحًا، لأن المقصود هو أداء النسك على الوجه المشروع دون الوقوع في الوسوسة والقلق والتعسير.
ومن مظاهر الرحمة أيضًا أن الله شرع التمتع بالعمرة إلى الحج، فجمع للمسلم بين النسكين في رحلة واحدة، بدل أن يتحمل مشقة السفر مرتين. وجعل الهدي شكرًا لهذه النعمة والتوسعة، فكان التمتع صورة بديعة من صور اليسر الذي يجمع بين العبادة والتخفيف.
بل إن الشريعة لم تغلق باب الرحمة إذا وقع الإنسان في خطأ أو تقصير أثناء النسك، وإنما شرعت الفدية والهدي ودم الجبران في عدد من الحالات، ليبقى باب التصحيح مفتوحًا، وليتعلم المسلم أن المقصود إصلاح الخلل وجبر النقص، لا إهدار العبادة كلها بسبب خطأ أو سهو أو تقصير غير مقصود.
وبعد الفراغ من أعمال منى يتجه الحجاج إلى آخر مناسكهم الكبرى: طواف الوداع.
ويحمل هذا الطواف معنى وجدانيًا خاصًا؛ فهو لحظة الوداع الأخيرة للبيت الحرام بعد أيام امتلأت بالطاعة والذكر والدعاء. وفيه يشعر الحاج أن رحلة العمر توشك أن تنتهي، وأن أيامًا استثنائية من القرب إلى الله توشك أن تصبح ذكرى جميلة يحملها معه إلى وطنه وأهله.
ومع ذلك فإن التيسير حاضر حتى في ختام الرحلة؛ فمن أخر طواف الإفاضة إلى وقت سفره، أمكنه أن يجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع بطواف واحد يكون آخر عهده بالبيت الحرام، فتتحقق المقاصد الشرعية دون تكليف زائد أو مشقة لا حاجة إليها.
وعندما يتأمل الحاج هذه الرحلة كلها يدرك أن الإسلام لا يريد المشقة لذاتها، ولا يجعل العنت غاية من غايات التدين. فكلما ظهرت حاجة الناس إلى السعة فتح الله لهم بابًا من أبواب الرحمة، وكلما وجدت مشقة خارجة عن المعتاد جاءت الرخص والتخفيفات.
ولعل اختيار الحاج بين التعجل والتأخر يلخص فلسفة الحج كلها؛ فالشريعة التي ألزمت بالمناسك نفسها هي التي فتحت أبواب السعة في أدائها، والشريعة التي أمرت بالطاعة هي نفسها التي رفعت الحرج عن المكلفين. وهكذا يخرج الحاج من رحلته وهو يدرك أن الإسلام ليس دين المشقة المقصودة، بل دين العبودية الواعية التي تجمع بين الانضباط والرحمة، وبين تعظيم الشعائر والتيسير على الناس.
وهكذا تنتهي أعمال الحج، لكن يبقى أحد أعظم دروسها حاضرًا في القلب: أن هذا الدين عظيم في شعائره، دقيق في تنظيمه، واسع في رحمته، يربط الإنسان بربه دون أن يكلفه ما لا يطيق، ويجمع بين هيبة العبادة ولطف التيسير، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.

