كتبت/ ماجدة حسن الصباغ
بين سطور حكايات الطلاق التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي، وتفاصيل الخذلان اليومية التي تحولت إلى ما يشبه الروتين، حدث تحول مخيف في وعي الفتيات داخل مجتمعنا. لم يعد “الفستان الأبيض” يمثل نهاية القصة السعيدة، بل تحول في عيون الكثيرات إلى بداية لمخاطرة غير مأمونة العواقب، وباتت قناعة “العيش بغير زواج أفضل” هي العقيدة الفكرية للجيل الجديد. هذا الانسحاب الهادئ يفرض علينا كمجتمع أن نتوقف طويلاً، لا لنهاجم خيارات الفتيات أو نتهمهن بالتمرد، بل لنطرح القضية الأكثر عمقاً وإلحاحاً: لقد وصلنا إلى النقطة التي ترحب فيها الفتاة بوحدتها، وترى في جدران عزلتها أماناً يفوق أمان بيت يجمعها برجل.
والحقيقة التي يتهرب الكثيرون من مواجهتها هي أن الفتاة لا تخاف “المسؤولية”، فالمرأة في بلادنا كانت ولا تزال عمود الخيمة وصاحبة الأكتاف التي تتحمل الجبال. الخوف الحقيقي والعميق هو خوف من غياب “السند”. لقد اهتزت في وجدان الفتيات صورة الرجل الذي يمثل الحماية والملاذ، بعدما تكررت أمامهن نماذج مشوهة لرجال يطالبون بامتيازات “القوامة” دون الالتزام بواجباتها.
ولعل أبرز تلك النماذج هو “الرجل السلبي” الذي يختزل دور الأبوة والزوجية في مجرد مصروف شهري، يلقي بمرتبه ثم ينسحب تماماً من المشهد، فلا يشارك في تربية الأبناء، بل يكتفي بمقعد الجلاد ليمارس اللوم الدائم والانتقاد المستمر. وينضم إليه نموذج “الرجل الاتكالي”؛ ذلك الذي يتخلى عن دور الإنفاق تماماً ويفضل القعود بلا عمل، ليلقي بكامل الحمل المالي على كاهل زوجته، ويستحل لنفسه الاستيلاء على كدّها وعرق جبينها ليعيش منه دون ذرة خجل. وهناك أيضاً نموذج “الرجل الودني” و”ابن أمه”؛ ذلك الرجل الذي سُلبت منه الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار، ليعيش عاجزاً عن حماية خصوصية بيته، تتقاذفه آراء الآخرين وتوجيهاتهم، فلا تجد الزوجة فيه شريكاً مستقلاً تقيم معه حياة.
والأسوأ من ذلك، هو اضطرار المرأة لمواجهة أزمات أكثر قسوة، مثل العيش مع زوج يسلك طريق إدمان المخدرات، أو يستبيح خيانتها بتعدد العلاقات النسائية، لتجد نفسها في نهاية المطاف في مواجهة رجل يدمر صحة الأسرة النفسية والمالية بدلاً من أن يحميها. الفتيات اليوم لا يهربن من الزواج كفكرة، بل يهربن من “فخ” الشراكة المزيفة ومن علاقات تستنزف كرامتهن وأعصابهن بدلاً من أن تدعمهن.
إنها أزمة ثقة حادة تضرب جذور المجتمع وتجعل غريزة البقاء هي المحرك الأول. عندما تجد الفتاة نفسها محاصرة بقصص لنساء ضحين بسنوات العمر والصحة في بناء بيوت، ثم انتهى بهن المطاف في دهاليز المحاكم بحثاً عن نفقة زهيدة، يصبح الخوف مشروعاً. والعيش في براثن زوج مؤذٍ وقاسٍ وسليط اللسان تنتهي فصول قهرها بنهاية مأساوية تدمي القلوب كمصير الراحلة “كريمة عروس المنوفية”، أو كمصير الراحلة “بسنت سليمان”. هنا تتحول الوحدة من خيار رفاهية إلى درع واقٍ يحمي كرامة المرأة وإنسانيتها وحياتها من الانكسار. فالزواج في أصله وجوهره هو السكن والرحمة، فإذا تحول في الوعي الجمعي إلى ساحة معركة واستنزاف نفسي وجسدي مستمر، يصبح من الطبيعي والمنطقي جداً أن تلوذ الفتاة بالسلام النفسي وتختار الابتعاد.
نحن بحاجة ماسة ومستعجلة لإعادة بناء مفهوم “الرجولة” الحقيقية داخل بيوتنا قبل أن نكيل الاتهامات للجيل الجديد بالعزوف. الأمان لا يُشترى بعقد رسمي أو جدران أسمنتية، الأمان موقف، وكلمة شرف، وكتف حقيقي يشتد به الظهر وقت الأزمات. والواقع الذي يجب أن يواجهه المجتمع بكل شجاعة هو أن خوف الفتيات ليس دلالاً ولا رفضاً للاستقرار، ولكنه صرخة تحذير من واقع لم يعد يقدم للمرأة في الزواج أماناً، حتى باتت ترى في وحدتها رحمة تفوق بكثير العيش مع رجل لا يمثل لها سنداً.
من خلال قصص ومعاناة كثيرة رأيتها وعاصرتها، كتبتُ بقلمي قضية مجتمع يئن. وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح على طاولة مجتمعنا: هل نملك الشجاعة الكافية لإصلاح بيوتنا وإعادة هيبة “السند”، أم سنستمر في لوم الفتيات بينما ينهار المفهوم الحقيقي للشراكة والزواج؟


