بعض القلوب لم تُخلق لتُهزم
كتبت: راندا أبو النجا
أحيانًا لا ينهار الإنسان من صدمة واحدة، بل من سلسلة فقد متتابع تأتي بلا إنذار، وتترك خلفها فراغًا لا يملؤه أحد.
هناك من يعيش عمره محاطًا بالناس، لكن داخله وحشة لا يراها أحد، لأن الفقد الحقيقي ليس في الغياب فقط، بل في تغيّر الوجوه التي كانت يومًا مصدر أمان.
حين يغيب السند الأول
بدأت الحكاية حين غاب السند الأول، ذلك الذي كانت الحياة تُبنى على حضوره، فانكسر جزء لا يُرى من الروح. لكن الحياة لم تتوقف، فكان لابد من الاستمرار.
ثم جاء الفقد الثاني، ليعلّم أن الألم لا يأتي منفردًا، بل يعرف طريقه جيدًا حين يختار قلبًا أنهكته الصدمات. ومع كل غياب جديد، كان الصبر يُعاد تشكيله من جديد.
إختبار المسؤولية في عز الانكسار
وبينما كانت الحياة تحاول أن تستمر، كان هناك اختبار أصعب: أن تصبح مسؤولة عن أرواح صغيرة، لا يحق لها أن ترى الانكسار، ولا أن تشعر بالانهيار. فكان لابد أن تقف رغم كل شيء.
لكن ما لا يُحتمل أحيانًا ليس الفقد وحده، بل نظرات من حولك تتغير دون سبب، كأن الألم يُصبح تهمة، وكأن الصمت يُفسر ضعفًا، وكأن الإنسان إذا انكسر فقد حقه في التعاطف.
حين يتحول القرب إلى مسافة
الأقرباء أحيانًا لا يمدون يدًا، بل يكتفون بالمراقبة، وأحيانًا يختارون المسافة، وكأن القرب عبء لا يُحتمل. فتتحول اللحظات الصعبة إلى اختبار آخر، ليس في مواجهة الحياة فقط، بل في مواجهة البشر.
ومع كل ذلك، يستمر الإنسان. ليس لأنه قوي دائمًا، بل لأنه لا يملك رفاهية التوقف. فيتعلم كيف ينهض من الداخل، كيف يرمم نفسه بنفسه، كيف يصبح السند حين يغيب السند.
القوة الحقيقية في الاستمرار
وهنا فقط، يدرك أن القوة الحقيقية ليست في عدم الانكسار، بل في القدرة على الاستمرار رغم الانكسار.
ويبقى السؤال: لماذا يصبح الألم سببًا للحكم على الناس لا لفهمهم؟ ولماذا يتحول الاحتياج إلى عزلة؟ ولماذا لا يرى البعض أن الصمود نفسه معجزة صامتة؟
في النهاية، لا أحد يختار ما يعيشه، لكن الجميع يختار كيف يخرج من امتحان الحياة. وهناك من يخرج منه أكثر قسوة، وهناك من يخرج منه أكثر إنسانية رغم كل ما فقده.
والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أن بعض القلوب لم تُخلق لتُهزم، بل لتبقى واقفة، حتى وإن لم يعد حوله أحد.

