مقال

الإستغراق في واقع الحياة

الإستغراق في واقع الحياة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أن الإستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره، أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة، فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته دون حاجة إلى عُرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العُرف الشائع، وهكذا دبر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ” فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين، أما بعد إن من أهم المهمات في حياة كل مسلم هو أن يهتم بإصلاح قلبه، والعناية بنفسه حتى يقدم على ربه عز وجل، بقلب سليم وعمل صالح رشيد، لاسيما ونحن نعيش زمانا قد كثرت فيه الفتن، وتعددت فيه الشبهات والشهوات.

لأن القلب هو محرك الجوارح وموجهها، وهو أكثر الجوارح تأثرا، وإن من أسباب السعادة هو دوام ذكر الله تعالي على كل حال، فبذكر الله عز وجل تطمئن القلوب، وتورث الغفلة ألوانا من الضيق والعذاب، وهي طريق إلى موت القلوب، فكذلك الشجاعة تورث السعادة، فالشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا وإن لذة الحياة وجمالها وقمة السعادة وكمالها لا تكون إلا في طاعة الله، ومهما ابتغيت السعادة بغير ذلك فهي وهم زائف، وما أهون الحياة الدنيا على الله وقد حكم على متاعها بالقلة مهما تكاثر أو تطاول في أعين الجاهلية “قل متاع الدنيا قليل” وحذارى أن تغرك سعادة لحظة عن السعادة الأبدية، أو تفتن بلذة عاجلة تعقبها ندامة آجلة، احذر أن تكون في حضيض طبعك محبوسا، وقلبك عما خلق له مصدودا منكوسا، حذار أن ترعى مع الهمل، أو تستطيب لقيعات الراحة والبطالة.

وتستلين فراش العجز والكسل، فتبصر حين تبصر وإذا بجياد الآخرين قد استقرت في منازلها العالية وأنت دون ذلك بمراحل وتود الرجعة لتعوض ما فات ولكن هيهات، فكيف ترجو السعادة وتأمل النجاة ولم تسلك مسالكها، وكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتورم قدماه من طول القيام، وهو متبتل قانت قائم باكي بين يدي الله تعالى فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له لم تصنع هذا، يا رسول الله، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال “أفلا أكون عبدا شكورا “متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة” متفق عليه، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه،

ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته” رواه البخاري، فلنتأمل كيف كانت عبادة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنه لا يكلّ ولا يفتر عنها من قيام، أو تلاوة للقرآن، أو ذكر، أو تسبيح، أو صيام، أو غير ذلك، فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين، أما بعد ” يا سارية الجبل” وهي حادثة مشهورة وقعت لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث ترتبط هذه الحادثة أو القصة بشخصيتين من شخصيات المسلمين الأوائل وهما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أبو حفص، ثاني الخلفاء الراشدين، وسراج أهل الجنة، وسارية بن زُنيم بن عبدالله الدؤلي، وهو أحد فرسان الإسلام، وقائد جيوش المسلمين في فتوحات فارس سنة ثلاث وعشرون من الهجرة، وملخص الحادثة كما رواها أسلم ويعقوب ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

أن سارية بن زنيم، كان يقاتل المشركين على أبواب نهاوند في بلاد الفرس، وقد كثرت عليه الأعداء، وفي نفس اليوم كان عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فإذا بعمر رضي الله عنه ينادي بأعلى صوته في أثناء خطبته ياسارية الجبل، ياسارية الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم، فالتفت الناس وقالوا لعمر بن الخطاب ماهذا الكلام ؟ فقال والله ماألقيت له بالا، شيء أتي به على لساني، ثم قالوا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان حاضرا ماهذا الذي يقوله أمير المؤمنين؟ وأين سارية منا الآن ؟ فقال ويحكم دعوا عمر فإنه مادخل في أمر إلا خرج منه، ثم مالبث أن تبين الحال فيما بعد حيث قدم سارية على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة فقال ياأمير المؤمنين كنا محاصري العدو، وكنا نقيم الأيام.

لايخرج علينا منهم أحد، نحن في منخفض من الأرض وهم في حصن عالي وهو الجبل فسمعت صائحا ينادي ياسارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كانت إلا ساعة حتى فتح الله علينا، وهذه الحادثة دلالة واضحة على عناية الله تعالى بعباده المؤمنين المجاهدين، وعلى إكرامه للخليفة الراشد العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *