مقال

الوفاء بعد الخلافات في ضوء القرآن الكريم

بقلم/ اشرف البحيري

يُعدّ الوفاء من أسمى القيم الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام، وهو دليل على نقاء القلب وصدق الإيمان. ولا يقتصر الوفاء على أوقات الصفاء والودّ، بل تتجلّى عظمته الحقيقية بعد وقوع الخلافات والنزاعات، حين يلتزم الإنسان بعهوده ويحافظ على روابطه رغم ما قد يعتريها من توتر.

لقد وجّه القرآن الكريم المسلمين إلى التحلّي بالوفاء حتى في أشدّ حالات الخصومة، فقال الله تعالى:
“وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا” (الإسراء: 34).
فالوفاء بالعهد لا يسقط بسبب الخلاف، بل يزداد تأكيده، لأن الالتزام به يعكس قوة الأخلاق وثبات المبادئ.

كما يحثّ القرآن على العدل وعدم الانجرار وراء المشاعر السلبية، قال تعالى:
“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة: 8).
وهذا توجيه واضح بأن الخلاف لا يبرر الظلم أو نقض العهود، بل يجب أن يبقى العدل والوفاء قائمين مهما اشتدت النزاعات.

ومن صور الوفاء بعد الخلافات التسامح، والإحسان إلى من أساء، وهو ما أشار إليه قوله تعالى:
“ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (فصلت: 34)،
فهذا الأسلوب يحوّل العداوة إلى مودة، ويعيد بناء العلاقات على أساس متين من الأخلاق الرفيعة.

كما يُظهر القرآن أن المؤمن الحقيقي هو من يضبط نفسه عند الغضب، ويعفو عند المقدرة، قال تعالى:
“وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ” (آل عمران: 134).
فالوفاء هنا لا يعني فقط الالتزام بالعهد، بل يشمل السموّ فوق الجراح الشخصية، والعمل على إصلاح ذات البين.

وفي الختام، فإن الوفاء بعد الخلافات هو اختبار حقيقي لإيمان الإنسان وأخلاقه. وقد جعل القرآن الكريم هذا الخلق معيارًا للتقوى ووسيلة لنشر السلام بين الناس. فكلما التزم الإنسان بالوفاء رغم الخلاف، كان أقرب إلى الله، وأقدر على بناء مجتمع يسوده التراحم والاستقرار.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *