مقال

سلسلة: بوصلة الشرق المضطربة  3- فلسطين على صفيح ساخن: من الشعارات العربية الفارغة إلى أدوات المقاومة الحقيقية

 

 

بقلم الأديب المفكر:

 

د كامل عبد القوي النحاس

 

تمهيد

 

لم تكن فلسطين يوماً مجرد قضية عربية ضمن قائمة الأزمات الإقليمية،

 

بل كانت دائماً الامتحان الحقيقي لصدق النظام السياسي في المنطقة، والمرآة التي تنعكس عليها موازين القوة وحدود الإرادة.

 

فحين تتغير التحالفات، أو تتبدل الأولويات، تبقى فلسطين المؤشر الأكثر دقة في قياس اتجاهات الصراع في الشرق الأوسط.

 

لقد كشفت العقود الأخيرة عن مفارقة عميقة في المشهد الإقليمي.

 

 

 

فبينما انكمش الخطاب العربي الرسمي تدريجياً إلى حدود إدارة الصراع عبر القنوات الدبلوماسية والبيانات السياسية،

 

برزت في المقابل قوى إقليمية اختارت مقاربة مختلفة تقوم على دعم أدوات الردع وبناء القدرة الميدانية للمقاومة.

 

وهكذا تحولت القضية الفلسطينية من شعار قومي يُستدعى في المناسبات إلى ساحة اختبار حقيقية لفاعلية المحاور الإقليمية وقدرتها على التأثير في ميزان القوة.

 

فالميدان لا يقبل الفراغ.

 

وحين يتراجع فاعل تاريخي تحت وطأة الواقعية السياسية أو ضغوط النظام الدولي، تتقدم قوى أخرى لملء المساحة.

 

ومن هنا يصبح فهم التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة مدخلاً ضرورياً لفهم إعادة تشكل الخريطة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

 

من الاستنزاف التاريخي إلى قيود الواقعية

 

الموقف المصري نموذجاً للثبات والاضطرار

 

 

عند قراءة المشهد العربي المعاصر، تبرز مصر بوصفها الدولة المركزية التي ساهمت بعمق في تشكيل مسار الصراع العربي الإسرائيلي عبر عقود طويلة.

 

فالدور المصري لم يكن يوماً مجرد خطاب سياسي، بل تجسد في سلسلة من المواجهات الوجودية التي طبعت وجدان المنطقة.

 

 

فقد شاركت مصر في حرب 1948 التي مثلت المعمودية الأولى للجيوش العربية الحديثة،

 

ثم واجهت العدوان الثلاثي عام 1956 في معركة رسخت مفهوم السيادة الوطنية في مواجهة القوى الاستعمارية.

 

 

وجاءت نكسة 1967 لتشكل صدمة استراتيجية كبرى أعادت صياغة الحسابات العسكرية في المنطقة،

 

قبل أن تدخل مصر مرحلة حرب الاستنزاف التي أعادت ترميم التوازن النفسي والعسكري.

 

ثم توجت هذه المسيرة بنصر أكتوبر 1973 الذي كسر أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق وأعاد الاعتبار للإرادة العربية.

 

غير أن هذه المواجهات المتتالية حملت أثماناً بشرية واقتصادية وتنموية هائلة. ومع اكتمال دائرة الاستنزاف، فرضت الجغرافيا السياسية منطقاً جديداً يقوم على الواقعية الاستراتيجية وحماية كيان الدولة.

 

 

في هذا السياق جاءت معاهدة كامب ديفيد عام 1979 باعتبارها خياراً سياسياً لوقف النزيف وفتح المجال أمام إعادة بناء الدولة والاقتصاد والقوة العسكرية.

 

وقد وفرت هذه المعاهدة لمصر استقراراً حدودياً مكّنها من إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وبناء قدرات عسكرية رادعة قادرة على حماية أمنها القومي.

 

لكن هذا الخيار حمل في الوقت ذاته قيوداً تعاقدية دولية معقدة،

 

جعلت تحركات القاهرة في الملف الفلسطيني محكومة بتوازنات دقيقة بين دورها التاريخي في القضية وبين الالتزامات الدولية التي تجعل أي انزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مسألة بالغة الحساسية.

 

وهكذا وجدت مصر نفسها في موقع مركب:

 

دولة ذات تاريخ مركزي في الصراع، لكنها تتحرك ضمن حدود واقعية تفرضها معادلات السياسة الدولية المعاصرة.

 

الفراغ العربي وسراب الدعم الإنساني

 

في الوقت الذي انشغلت فيه مصر بإعادة بناء قدراتها وترميم اقتصادها، شهد النظام العربي العام تحولات عميقة في طبيعة التعاطي مع القضية الفلسطينية.

 

فقد انحسر الفعل السياسي في معظم العواصم العربية داخل دائرة الشجب والاستنكار والبيانات الدبلوماسية،

 

بينما تراجعت الأدوات الصلبة للصراع التي كانت حاضرة في مراحل سابقة من التاريخ العربي.

 

حتى الدعم المالي، الذي كان يوماً إحدى أوراق الضغط السياسي، تحول تدريجياً إلى دعم إنساني محدود يركز على المساعدات الطبية والغذائية لإغاثة المدنيين بعد كل جولة من جولات الحرب، دون أن يمس جوهر ميزان القوة في الصراع.

 

وهكذا تحولت القضية الفلسطينية، في الممارسة السياسية العربية، من مركز الإجماع القومي إلى هامش الإدارة الدبلوماسية للأزمات.

 

ولم يكن هذا التحول مجرد تغير في الخطاب، بل كان تعبيراً عن فراغ استراتيجي واضح.

 

فالفصائل الفلسطينية وجدت نفسها في مواجهة آلة عسكرية متقدمة دون ظهير إقليمي قادر على تقديم دعم ميداني فعلي.

 

ومع اتساع هذا الفراغ، بدأ ميزان الصراع يبحث عن فاعل جديد يملك الإرادة والقدرة على التدخل.

 

الثورة الإسلامية الإيرانية واحتضان المقاومة

 

مدرسة التصنيع المقاوم

 

مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979،

 

دخل لاعب إقليمي جديد إلى معادلة الشرق الأوسط. وكانت طهران تبحث عن موقع سياسي يعزز حضورها في النظام الإقليمي ويمنح مشروعها بعداً يتجاوز حدودها الجغرافية.

 

في هذا السياق برزت القضية الفلسطينية بوصفها إحدى القضايا المركزية القادرة على توفير هذا الامتداد السياسي.

 

لكن المقاربة الإيرانية لم تقف عند حدود الخطاب السياسي أو الدعم الرمزي، بل اتجهت إلى بناء علاقات استراتيجية مع فصائل المقاومة الفلسطينية شملت مجالات متعددة من التعاون السياسي والعسكري.

 

ومع مرور الوقت تطور هذا الدعم إلى ما يمكن تسميته بمدرسة التصنيع المقاوم.

 

فبدلاً من الاكتفاء بتهريب السلاح، جرى التركيز على نقل المعرفة العسكرية وتوطين التكنولوجيا القتالية داخل البيئة المحلية للمقاومة.

 

وشمل ذلك تطوير قدرات تصنيع الصواريخ، وتدريب الكوادر على تكتيكات حرب العصابات،

 

إضافة إلى بناء شبكات الأنفاق والقدرات اللوجستية المعقدة.

 

وقد ساهم هذا التحول في تقليل اعتماد المقاومة على خطوط الإمداد الخارجية، ومنحها قدرة أكبر على الصمود في ظل ظروف الحصار الطويل.

 

وفي هذه البيئة الجديدة أصبحت العلاقة مع طهران بالنسبة لبعض فصائل المقاومة خياراً استراتيجياً في ظل محدودية الدعم العسكري المباشر من بقية الأطراف الإقليمية.

 

أثر ذلك على توازن الردع

 

نهاية عصر الأمن المطلق

 

مع تطور القدرات العسكرية للمقاومة، بدأت معادلة الصراع تشهد تحولات تدريجية.

 

فإسرائيل التي اعتادت خوض حروب خاطفة بعيدة عن عمقها الداخلي، وجدت نفسها أمام واقع جديد يتمثل في تعرض مدنها ومنشآتها الحيوية لضربات صاروخية متكررة.

 

ومع مرور الوقت تشكلت معادلة ردع غير متماثلة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في جبهة واحدة، بل باتت مرتبطة بإمكانية اشتعال ساحات متعددة في المنطقة.

 

هذا الواقع ـ الذي يشار إليه أحياناً بمفهوم وحدة الساحات ـ أعاد إدخال القضية الفلسطينية إلى صلب الحسابات الأمنية الإقليمية والدولية.

 

وبذلك لم تعد فلسطين مجرد ملف إنساني تتعامل معه المؤسسات الدولية،

 

بل أصبحت عاملاً مؤثراً في معادلة الأمن القومي للشرق الأوسط بأكمله.

 

خاتمة

 

تكشف التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة حقيقة استراتيجية واضحة:

 

الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً طويلاً في منطقة تتصارع فيها المشاريع الإقليمية.

 

فعندما تراجع الدور العربي الرسمي تحت ضغط الواقعية السياسية والاتفاقيات الدولية، تقدمت قوى إقليمية أخرى لملء المساحة عبر أدوات مختلفة تقوم على الدعم العسكري وبناء شبكات التحالف.

 

وفي خضم هذا التحول تشكلت سرديات متعارضة حول طبيعة النفوذ الإقليمي في المنطقة، بين من يراه توسعاً سياسياً يهدد التوازنات القائمة، ومن يراه تحالفات نشأت في بيئة صراع مفتوح.

 

غير أن النتيجة التي يفرضها الواقع الميداني تبدو أكثر وضوحاً:

 

لم تعد فلسطين مجرد قضية تضامن عربي أو ملف إنساني،

 

بل أصبحت محوراً تعاد حوله صياغة معادلات القوة والردع في الشرق الأوسط كله.

 

في المقال القادم

 

سنتناول السردية المتداولة حول ما يسمى بالتوسع الإيراني في المنطقة،

 

لنميز بين النفوذ السياسي والتحالفات العسكرية التي تنشأ في بيئات الصراع، وبين أنماط الاحتلال العسكري المباشر،

 

في محاولة لفهم الكيفية التي يعاد بها تشكيل صورة العدو والصديق في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر.

ahmdabwyhyy224@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *