بقلم : عماد نويجي
في عالم يمضي مسرعا لا يمنحنا الوقت الكافي للتأمل ولا يمنح أرواحنا فرصة للإنصات إلى ذواتها تختبئ حقائق بسيطة لكنها عميقة في صمت الفراشة التي ترفرف حولنا لا تعرف ألوان أجنحتها ولا تدرك ذلك السحر الذي يجعلها موضع دهشة وتأمل هي فقط تعيش وتتحرك وتكمل رحلتها الخفيفة كأنها رسالة جمال لا تحتاج إلى تفسير
وهكذا الإنسان كثيرا ما يجهل ذاته يمضي في طرق مزدحمة بالأفكار والضغوط مثقلا بأسئلة لا تنتهي غير مدرك لما يحمله داخله من نور وتأثير يظن أن قيمته تقاس بما يراه في مرآة شكوكه بينما الحقيقة أن هناك عيونا أخرى ترى ما عجز عن رؤيته ترى في صمته حكمة وفي تعبه قوة وفي محاولاته البسيطة بطولة يومية لا يلتفت إليها
ليست المشكلة في غياب الجمال بل في اعتيادنا عليه حتى نظنه شيئا عاديا نحن نعيش داخل أنفسنا فنألف تفاصيلنا فلا تدهشنا بينما يراها الآخرون بنظرة جديدة مليئة بالدهشة يرون فينا اتساعا لم ننتبه له وإشراقا لم نمنحه حقه من الاعتراف
كم من كلمة خرجت منك فأنقذت يوما متعبا لشخص آخر وكم من حضورك كان كافيا ليمنح الطمأنينة دون أن تدرك وكم من موقف بسيط ظننته عابرا بينما كان في عيون غيرك لحظة فارقة لا تنسى إن الأثر الحقيقي لا يعلن عن نفسه بصخب بل يتسلل بهدوء ويترك بصمته حيث لا نتوقع
إن الإنسان لا يقاس فقط بما ينجزه بل بما يزرعه في قلوب الآخرين من راحة وأمل يقاس بتلك الطاقة الخفية التي يحملها والتي تضيء الأماكن التي يمر بها دون قصد أحيانا يكون أعظم ما فيك هو ما تراه عاديا لأنك اعتدت عليه بينما هو عند غيرك استثناء نادر
لذلك لا تجعل جهلك بروعتك سببا في التقليل من نفسك ولا تحصر قيمتك فيما لم تحققه بعد فهناك أشياء عظيمة فيك تحققت بالفعل لكنها لم تحظ بالانتباه الكافي كما أن الفراشة لا تحتاج أن ترى ألوانها لتكون جميلة أنت أيضا لا تحتاج أن تدرك كل ما فيك لتكون ذا أثر يكفي أن تكون صادقا في حضورك وأن تمنح الحياة أفضل ما لديك دون انتظار اعتراف
في النهاية يبقى الجمال حقيقة لا تتوقف على إدراك صاحبها وتبقى الروعة سرا تكتشفه العيون قبل أن تعترف به القلوب ويبقى الإنسان رحلة مستمرة لاكتشاف نفسه وربما أجمل ما فيها أن جزءا من هذا الاكتشاف سيظل دائما في عيون الآخرين لا في مرآته الخاصة


