سلسلة: قلوب على مائدة القرآن في رمضان” المقال الثلاثون (الختام ).
بقلم/الباحث الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة:
يأتي عيد الفطر، والأمة بين تكبيرٍ يعلو في المساجد، وأنينٍ يخفت في الأزقة واالقري
بين ضحكات الأطفال في بعض البيوت، ودموعهم في بيوتٍ أخرى فقدت الأمان… بل فقدت الأحباب.
إنه عيدٌ بنكهتين:
فرحة الطاعة… ومرارة الواقع.
فكيف نفهم هذا التناقض؟
وكيف نحوّل الألم إلى أمل؟.
أولًا: العيد في ميزان الإسلام (حقيقته ومعناه):
قال تعالى:﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾،
(البقرة: 185)،
قال ابن كثير في تفسيره:
“شرع التكبير شكرًا لله على تمام العبادة”
( ابن كثير، ج1، ص218،، 1999م)
فالعيد ليس زينة ظاهر… بل ثمرة إيمان.
ثانيًا: عيد الفطر وآلام الأمة (غزة والسودان شاهدًا):
1) غزة… العيد تحت الركام
في غزة:
لا تُسمع تكبيرات العيد فقط… بل تُسمع معها أصوات الحزن.
بيوت مهدّمة
أسر مشرّدة
أطفال فقدوا ذويهم
قال تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…﴾، (البقرة: 155)،
قال ابن عاشور في التحرير والتنوير:
“الابتلاء سنة لتمييز الصادقين وتربية النفوس على الصبر”
(ابن عاسور، ج2، ص156، 1984م).
غزة اليوم ليست فقط جرحًا… بل درسًا في الصبر، والثبات.
- السودان… جراح الداخل وآلام الأهل
في السودان:
تشتعل الحرب بين أبناء الوطن الواحد، فينزف الجسد من داخله.
نزوح وتشريد
انقسام وتمزق
فقد الأمن والاستقرار
قال تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، (الأنفال: 46).
قال الشوكاني في فتح القدير :
“النزاع سبب لذهاب القوة وتمكين العدو”
(الشوكاني:، ج2، ص312)
أخطر ما يهدد الأمة: الصراع الداخلي.
3) مشهد الأمة العام
بين غزة والسودان…
نرى صورة أوسع:
حرب دائرة في منطقة الخليج ،وتتوسع نيرانها ،وهيمنة تريدها أمريكا والكيان للسيطرة علي مقدرات الأمة والمنطقة .
ضعف سياسي
تشتت فكري
تبعية اقتصادية
قال النبي ﷺ:”تداعى عليكم الأمم…”
(أبو داود، 4297)
ثالثًا: قراءة عميقة للأزمة (لماذا يحدث هذا؟):
1) البعد عن منهج الله:
قال تعالى:﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ,(طه: 124)
2) غياب الوحدة بين المسلمين :
“الأمة لا تُهزم من الخارج حتى تنهزم من الداخل”
3) فقدان القيادة الراشدة:
قال الماوردي في الأحكام السلطانية :
“الإمامة موضوعة لحفظ الدين وسياسة الدنيا”،(الماوردي ، ص5)
4) ضعف الوعي:
اختلط الحق بالباطل… والإعلام يوجّه العقول.
رابعًا: العيد رسالة أمل رغم الألم:
رغم كل الجراح…
يبقى الأمل حيًا.
قال تعالى:﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، (الشرح: 6)
قال القرطبي في تفسبره:”هذا وعد لا يتخلف”،( القرطبي:1984، ج20، ص105)
خامسًا: العيد وبناء الوعي (دور الفرد):
العيد ليس راحة سلبية… بل انطلاقة.
ماذا نفعل؟
نربي أبناءنا على قضايا الأمة
نُحيي روح التضامن
ندعم بالمال والكلمة
نصحح المفاهيم
سادسا : أبيات شعرية (العيد والأمل)
يا عيدُ جئتَ وجرحُ أمتي نازفٌ
لكنَّ في وعدِ الإلهِ مواقفُ
غزةُ تصبرُ، والسودانُ ينزفُهُ
جرحُ الأخوّةِ… والعدوُّ يُسارفُ
لكننا رغم الجراحِ أمةٌ
بالصبرِ تُبنى… لا تُهانُ ولا تُخافُ
سيشرقُ الفجرُ الجميلُ وإن طغى
ليلٌ طويلٌ… باليقينِ يُصارفُ
سادبعا: ما المخرج للأمة؟ (رؤية عملية شاملة):
المخرج في خمسة محاور:
1.)العودة الصادقة إلى الله:
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7)
2)تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، (آل عمران: 103).
3) بناء الإنسان (علمًا وإيمانًا):
قال الغزالي: في الاحياء :
“إصلاح الفرد أساس إصلاح الأمة”
(الغزالي:، ج1، ص32)
4) إعداد القوة الشاملة:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم﴾ (الأنفال: 60)
5) الوعي والبصيرة:
قال ابن القيم في مدارج السالكين:
“البصيرة نور يقذفه الله في القلب”
(ابن القيم :، ج2، ص456).
واجب عملي في العيد:
لا تنسَ غزة والسودان في دعائك
شارك في عمل خيري
انشر الوعي بقضايا الأمة
أصلح قلبك أولًا
ابدأ مشروع تغيير ولو صغير
وصية :
اجعل من العيد بداية وعي… لا نهاية طاعة.
الخاتمة:
في هذا العيد…
قد تضحك الشفاه… لكن القلوب تشعر بثقل الأمة.
لكن تذكر:
الأمة التي تُنجب الصابرين… لا تموت.
والأمة التي تؤمن بالله… لا تُهزم.
وسيأتي عيد…
تُرفع فيه رايات العزة…
وتُجبر فيه القلوب…
وتعود فيه الأمة إلى مكانتها.
المراجع
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، ط2، 1999م.
٢)ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية، 1984م.
٣)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، 1964م.
٤)الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت.
٥)ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، 1996م.
٦)الشوكاني، فتح القدير، دار الفكر.
٧)الماوردي، الأحكام السلطانية، دار الكتب العلمية، 1985م.
٨)البخاري، صحيح البخاري، دار ابن كثير، 2002م.
مسلم، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي.
٩)أبو داود، سنن أبي داود، دار الرسالة العالمية، 2009م.

