مقال

في حضرة الصيام (15): مرافئ البر.. حيث يلتقي التوحيد بالرحمة


سلسلة مقالات رمضانية
بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس

في رحاب الصوم، نغادر ضجيج المادة إلى سكون الروح. لا نُهذّب الأمعاء من جوعها فحسب، بل نغسل القلوب من جفائها. نقف اليوم عند أسمى الروابط البشرية، حيث تتجلى العبادة إحساناً، والتوحيد رحمةً.

الاستهلال:
مدرسة الصيام وتصفية الجذور
الصيام في جوهره هجرة شعورية، انتقال من قسوة الأنا إلى رقّة الوصل.
وحين يعيد رمضان صياغة أولوياتنا، يبرز برّ الوالدين كأصل وجودي وقيمة مركزية.

إنه العبادة التي تلامس شغاف التوحيد، والجسر الذي يعبر بنا من ضيق الدنيا إلى سعة الرضا الإلهي.

الصائم الذي يمتنع عن المباح طاعةً لربه، هو أولى الناس بالامتناع عن غلظة القول إكراماً لوالديه.
فالصوم يرقق القلب ليصبح مرآة تعكس حنان الله في صورة إحسان بشري.

هو ترويض للنفس لتقبل الخضوع لمن كانا سبب وجودها. فمن لم يبر أصلَهُ البشري، كيف يبر خالقه الوجودي؟

أولاً: ميثاق الوفاء الغليظ.. قراءة في آية الإسراء
يقول الله تعالى:

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}
(الإسراء: 23–24)

هذا النص هندسة وجودية فريدة تتجاوز مجرد الوعظ:

  • تلازم الوجوب:
    ربط الله توحيده ببر الوالدين بـ واو التلازم والمصاحبة.
    فلسفياً، لا يكتمل إيمان العبد حتى يعترف بفضل السبب البشري الذي أوجده الله من خلاله. فلسفة الاعتراف بجميل الوالدين والإحسان إليهما كمدخل لشكر المنعم سبحانه.
  • فلسفة عندك:
    قوله {عِندَكَ} نفي قاطع لكل أشكال العزل الشعوري أو المكاني. البر لا يقبل الوكالة ولا دور المسنين الباردة. الكبر ليس خريفاً يُنفى بعيداً، بل هو موسم بركة يستوطن بيتك وتحت رعايتك المباشرة.
    وجودهما في دارك هو حبل نجاة ممدود وأمان روحي يملأ أركان البيت سكينة، وصمام أمان يمنع جفاف الروح.
  • أدب الأنفاس:
    “أُفٍّ” أصغر وحدة صوتية للتبرم. التحريم هنا يطال النوايا قبل الكلمات.
    فإذا حُرّمت الزفرة التي لا تكاد تُسمع، فما بالك بما فوقها من صراخ أو إعراض؟
    إنه تدريب على ضبط الانفعالات في أقصى حالات الضغط النفسي.
  • انكسار الرفعة: {جَنَاحَ الذُّلّ} صورة بلاغية مذهلة. هو ذل طواعية لا مهانة؛ انحناء القلب اعترافاً بالجميل، كما يحنو الطائر بجناحه حماية لفراخه من عوادي الزمن.
    هو تذلل القوي لمن صار ضعيفاً، في تبادل للأدوار يعكس عمق الإنسانية.

ثانياً: قداسة الأمومة.. وهن يلد حياة
لم يكتف الوحي بالوصية العامة، بل فكّك شيفرة المعاناة الجسدية والنفسية للأم:
،• ملحمة الوهن والفصال: يقول تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}
(لقمان: 14)

فلسفياً، “الوهن على الوهن” استنزاف مقدس لعافيتها لتُبنى عافيتك أنت.
هي رحلة تبدأ بضعف الجسد في الحمل وتنتهي بفيض العاطفة في الرضاعة التي تمتد لعامين من السهر والاحتواء.

  • تضحية مطلقة: يقول تعالى:
    {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} (الأحقاف: 15)

ألم يلد ألمًا، وصبر يلد حياة. هي فيزياء الفناء النبيل، تذوب الأم ليبقى الابن، وتنطفئ شموع راحتها لتضاء دروب مستقبله.

  • الأولوية النبوية:
    جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك
    (رواه البخاري ومسلم).
    هذا التكرار الثلاثي اعتراف إلهي بأعباء الحمل والوضع والرضاعة التي تفردت بها الأم.

ثالثاً: شمولية البر.. ميثاق لا يكسره الخلاف
عظمة الإسلام تتجلى في أن البر ليس مكافأة على توافق العقائد أو المشارب، بل هو استحقاق للأبوة والأمومة لذاتهما.

  • البر مع اختلاف الملة: أوجب الشرع بر الوالدين وإن كانا على غير الإسلام.
    يقول تعالى:
    {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان: 15)

الخلاف في العقيدة لم يسقط حق الصحبة بالمعروف.

  • ضوابط الطاعة:
    طاعتهما واجبة في كل ما هو مقدور وفي غير معصية أو اعتداء. إذا أمراك بقطيعة رحم، أو ظلم للناس، أو ترك فريضة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

مع ذلك، يبقى الرفق والإنفاق واللين لهما واجباً لا يسقط أبداً.

  • البر يسبق حتى الجهاد في سبيل الله:
    فقد جاء رجل يستأذن النبي ﷺ في الجهاد، فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد.

رابعاً: سيكولوجية العقوق.. ارتداد عن الفطرة:

العقوق انحراف فطري قبل أن يكون مخالفة شرعية، هو تنكر للأصل وجحود للبدايات.

  • مشهد الجحود:
    صوّر القرآن العاق مستعلياً بكلمة:
    {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي} (الأحقاف: 17)
    هو الذي واجه الحنان بالصلف، والذكرى بالنسيان، واعتبر نصحهما قيداً وتخلفاً.
  • الجزاء من جنس العمل: تذكر القاعدة الذهبية:

بروا آباءكم تبركم أبناؤكم (رواه الطبراني).

ما تزرعه اليوم في حقل والديك، ستحصده غداً في بيتك. الحياة مرآة لا تكذب، والعقوق دين يُقضى، والبر رصيد يُدّخر.

خامساً: ملاحم البر.. ترياق الشقاء ونور الوفاء:

  • ترياق الشقاء: قال عيسى عليه السلام:
    {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (مريم: 32)

البر صمام أمان ضد الشقاء الروحي والمادي.

  • الصبر الجميل:
    أعلى درجات البر هي الصبر على أذى الوالدين أو حدّة طباعهما عند الكبر.
    الحدة تُقابل بالابتسام، والنسيان يُرد بالصبر، والجفاء يُعالج بالضمة.
  • الوفاء العابر للزمن:
    البر ميثاق لا ينقطع بالموت.
    عن أبي أسيد الساعدي قال: جاء رجل من بني سلمة إلى رسول الله ﷺ، فقال:
    هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما
    (رواه أبو داود).
    خاتمة:
    ميزان السرائر
  • في منتصف شهر الصفاء، وحين تخفت أصوات الدنيا، تذكر أن البر ليس منحة تقدمها بفضل منك، بل حق تؤديه بامتنان.
  • هو أن ترى فيهما ماضيك الذي رعاك، ومستقبلك الذي ستصير إليه.
  • صلاتك وصيامك في كفة، ودمعة قهر في عين والديك في كفة أخرى، فاحذر أن تطيح تلك الدمعة بكل تعبك الرمضاني
    .
    تأمل اليوم (15):

تأمل في كلمة {عِنْدَكَ}

  • إنها دعوة لتكون أنت المأوى والوطن لهما في عجز القوة، كما كانا هما الوطن لك في ضعف الصبا.
  • البر الحقيقي هو أن تتحمل خريف عمرهما بنفس الرضا الذي تحملا به ربيع طفولتك.
  • كُن لهما العكاز الذي يتكئان عليه نحو الجنة، كُن لهما الظل الذي يقيهما هجير العجز.

سؤال القلب:

  • هل والداك راضيان عنك في هذه اللحظة؟
    إن كانا راضيين، فاثبت واستزد، فذلك هو الفوز العظيم.
    وإن كان في النفس كدر، أو في القلوب جفاء، فبادر بالاعتذار والتقبيل قبل أن يأتي يوم تبحث فيه عن يد لتقبّلها، فلا تجد إلا تراب صامت، وقلب يملؤه الندم على لحظات ضاعت كان يمكن أن تكون طريقك للفردوس.
  • توصية مرافئ البر
    اجعل من هذا المساء ليلة صلح شاملة. التزم بوالديك {عِنْدَكَ}؛ لا هجر، ولا انشغال، ولا جفاء.
    برهما ليبرك أبناؤك، فالجزاء من جنس العمل.
    والجنة أقرب إليك من شراك نعلك إن عرفت طريقها تحت أقدامهما.
    كُن باراً ليُبارَك لك في صيامك وقيامك.
    {وقل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *