مقال

حين يضج الحبر ويصمت الفهم


بقلم : عماد نويجى
ليس كل من تعلم الحروف صار سيدا للكلام
فالحروف سهلة المنال كحبات الرمل على شاطئ مزدحم
لكن البيان بحر لا يعبره إلا من أتقن السباحة في المعنى قبل الصوت

نحن في زمن تتكاثر فيه الكلمات كما يتكاثر الضجيج في الأسواق
الجميع يكتب
والشاشات تمتلئ بسيل من العبارات التي تشبه بعضها حد التطابق
لكن حين تبحث عن قارئ حقيقي تشعر أنك تنقب عن ماء في صحراء طويلة
وحين تبحث عن فاهم تدرك أن الندرة ليست في العقول بل في الصبر

الكتابة لم تعد فعلا شاقا
لوحة مفاتيح وبعض حماس عابر يكفيان ليولد نص جديد كل دقيقة
لكن القراءة عبادة تحتاج قلبا هادئا وعينا متأنية وروحا تقبل أن تصغي
ولهذا صار الكاتبون كثيرين والقراء أقل
أما الفاهمون فهم أولئك الذين لا يبتلعون الكلام بل يمضغونه حتى يظهر طعمه الحقيقي

الفهم ليس جمع كلمات ولا حفظ جمل
الفهم قدرة على رؤية ما وراء السطر
على التقاط الصمت بين العبارات
على تمييز الفرق بين كلام يلمع وكلام يضيء
فليس كل بريق نورا وليس كل صمت جهلا

كم من نص صفق له الناس لأنه صاخب
وكم من فكرة عظيمة مرت بينهم لأن صوتها كان هادئا
المشكلة ليست في وفرة الأقلام
بل في ندرة العيون التي تقرأ بوعي والعقول التي تنصت بعمق

إن أخطر ما نعيشه اليوم أن الكتابة صارت سهلة إلى حد الاستهلاك
والقراءة صارت عبئا مؤجلا
أما الفهم فقد أصبح مهارة نادرة تشبه المعادن النفيسة
لا تظهر إلا بعد حفر طويل في طبقات النفس والمعرفة

لذلك لا تنخدع بكثرة ما يكتب حولك
ولا تنبهر بضجيج العبارات
ففي زمن يمتلئ بالكلمات
يبقى الفهم هو الصوت الأصدق
والندرة الحقيقية ليست في من يكتب
بل في من يرى المعنى قبل أن يصفق للحرف

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *