بقلم نشأت بسيونى
يمر الإنسان بسنوات طويلة يبحث فيها عن إجابات معقدة يفتش في الكتب في التجارب في كلام الناس وفي دروس الحياة الثقيلة لكن الحقيقة التي يهرب منها الجميع أن أهم الإجابات لا تأتي بصوت عال ولا تحمل معها لحظة اكتشاف كبيرة بل تظهر في أبسط التفاصيل في لحظة صغيرة لم يخطط لها أحد كأنها حكمة تتسلل بهدوء إلى القلب قبل أن يلاحظها العقل هناك إشارات تمر أمامنا كل
يوم ولا نلتفت إليها لأننا مشغولون بما نعتقد أنه مهم نظن أن التغيير يحتاج حدثا ضخما بينما كل التحولات الكبرى بدأت من ملاحظة صغيرة من شعور غريب لا نعرف تفسيره من شيء لم يعد يناسبنا كما كان أو من فكرة بدأت تكبر دون أن نستدعيها وكأن الروح تهمس بما لم نعد نجرؤ على قوله لنفسناز وفي تلك التفاصيل يدرك الإنسان أن بعض العلاقات استهلكت عمرها دون أن نلاحظ
وأن بعض الأماكن فقدت دفئها دون أن نعلن ذلك وأن بعض العادات لم تعد تشبهنا وأن بعض الأحلام التي تمسكنا بها لسنوات لم تكن لنا من البداية لكننا خفنا الاعتراف بذلك لأن الاعتراف يعني تغيير الطريق وتغيير الطريق يعني مواجهة الذات التي طالما تهربنا منها
ومع كل هذا يبدأ الوعي يأخذ شكله الصحيح يبدأ الإنسان يرى ما لم يكن يراه ويفهم ما لم يكن يفهمه ويكتشف أنه كان يحمل قلبه
فوق طاقته وكان يعتذر عن أمور لم يرتكبها وكان يحاول إسعاد أشخاص لا يرون جهده وكان يقاتل من أجل أماكن لم تعد تستحق وجوده فيها وحين يكتشف ذلك يشعر بالخفة كأنه يخلع وزن سنوات من فوق كتفيه وبعد ذلك يتغير التعامل مع الحياة تصبح الخطوة أكثر هدوءا وأكثر وعيا وأكثر اتساقا مع ما يريد حقا فيتعلم أن يقول لا دون خوف وأن يختار دون تردد وأن يبتعد دون شعور
بالذنب وأن يسمح لنفسه بأن يبدأ من جديد حتى لو تأخر كثيرا لأن التأخر ليس خطأ بل دليل على أننا كنا نحتاج إلى إدراك أعمق قبل اتخاذ القرار يفهم الإنسان أن الحقيقة لا تأتي من ضجيج الخارج بل من أنين الداخل وأن الضوء لا يسقط من السماء فقط بل يخرج من داخله حين يقرر أن يرى وأن يعيش وأن يتوقف عن خداع نفسه التفاصيل الصغيرة لم تكن يوما تفاصيل بل كانت الوجه الحقيقي للحياة الذي تجاهلناه طويلا


