بقلم/نشأت البسيوني
هناك أوقات في حياة الإنسان يظن فيها أن الكلام هو الحل لكل شيء وأن الحديث الطويل قادر على تصحيح الأخطاء ومع ذلك تأتي لحظة صمت مفاجئة تكشف له أكثر من أي ألف كلمة تكشف له الحقيقة عن نفسه عن الآخرين وعن ما يحيط به الصمت ليس فراغا بل مساحة يتسع فيها القلب ليقرأ ما لم يكن يراه من قبل وليسمع ما لم يكن يسمعه العقل في تلك اللحظة يبدأ الإنسان يفهم أن
الهدوء أحياناً أقوى من الصخب وأن الاستماع أكثر قيمة من الحديث وأن المعنى الحقيقي لا يقال بل يحس ويعي في الصمت تلتقي الروح بالروح أو بالذات لأول مرة منذ زمن طويل تكتشف كيف كانت مشغولة بمظاهر الحياة وبإرضاء الآخرين وبالركض خلف أهداف لم تكن حقيقة خاصة بها وتفهم كم من مرة تجاهلت إحساسها الحقيقي خوفاً من ردود الفعل أو من تغير الظروف أو من
مواجهة نفسها الحقيقية وفي هذا اللقاء الصامت تبدأ القوة الحقيقية بالنمو القوة التي لا تظهر في كلمات رنانة بل في اختيار ما يجب قوله ومتى يجب السكوت ومع مرور الوقت يدرك الإنسان أن الصمت يمنحه قدرة على التمييز بين من يستحق مكانه في حياته ومن يجب أن يتركه يكتشف أن بعض العلاقات تتلاشى بلا أي خيانة لأنها لم تكن بحاجة للوجود من البداية ويكتشف أن بعض
اللحظات التي اعتقد أنها عابرة هي في الحقيقة لحظات مفصلية صنعت منه شخصًا أكثر نضجا وأكثر استعدادا لكل القادم دون ضغينة أو حسرة وفي صمت القلب يبدأ الإدراك يتسع يبدأ فهم الأشياء بشكل أعمق يرى في الألم درسا وفي الفقد فرصة وفي الخيبات دعوة لتجربة أقوى وأكثر حكمة ويكتشف أن الحياة ليست بحاجة إلى ضوضاء لتعلمه بل إلى لحظات صمت يمكنه فيها أن
يسمع ذاته كما لم يسمعها من قبل ويعيد ترتيب كل ما اختل داخله بعناية دون استعجال دون ضغط دون ضجيج وهكذا يصبح الصمت لغة جديدة للإنسان يفهمها ويعتمد عليها في اتخاذ القرارات وفي استقبال الحياة وفي الحفاظ على السلام الداخلي يصبح أداة لمراجعة الذات ومرآة لرؤية الطريق الصحيح بعين أكثر صفاء وأكثر حكمة وأكثر قدرة على التحرك بثقة نحو ما يستحق بالفعل في هذا العالم

