بقلم/محمد مصطفى كامل.
في “التاريخ من وراء الستار” لا نسير وفق ترتيب السنوات،
ولا نقف عند ظاهر الروايات.
ننتقل بين العصور لأن اللحظات الفارقة لا يحكمها زمن، بل يحكمها أثرها.
هنا لا نكرر ما كُتب بل نفتش عمّا خفي،
حيث تُصنع القرارات قبل أن تُدوَّن في الكتب.
الفتنة الكبرى.
حين انتصرت الدولة وخسر الضمير
حين نذكر الفتنة الكبرى، تقفز إلى الأذهان أسماء كبرى:
علي بن أبي طالب
ومعاوية بن أبي سفيان
لكن ماذا لو لم نقرأها هذه المرة كسردٍ لمعركة بين رجلين، بل كصراعٍ بين فكرتين؟
فكرة “الشرعية الأخلاقية” وفكرة “الشرعية السياسية”.
الدولة قبل الدم… أم الدم قبل الدولة؟
بعد مقتل عثمان بن عفان، لم يكن السؤال: من يحكم؟
بل كان السؤال الأخطر: بأي منطق سنحكم؟
عليٌّ رضي الله عنه رأى أن تثبيت أركان الدولة أولاً ضرورة، وأن القصاص من قتلة عثمان يحتاج إلى دولة مستقرة لا تحكمها الفوضى.
أما معاوية، والي الشام القوي، فرفع شعارًا واضحًا: لا بيعة قبل القصاص.
وهنا حدث التحول الكبير:
تحوّل الخلاف من “حق” إلى “توقيت الحق”.
لم يكن أحدهما يطالب بباطل، لكنهما اختلفا في ترتيب الأولويات.
وهذا في السياسة أخطر من الاختلاف في المبادئ.
- الفتنة كميلادٍ لنظام جديد
نحن عادةً نقرأ الفتنة الكبرى كبداية انقسام،
لكنها أيضًا كانت نهاية مرحلة.
انتهى فيها عصر “الخلافة الشورية البسيطة”،
وبدأت ملامح الدولة المركزية القوية.
بعد الحسن بن علي وتنازله لمعاوية، دخل المسلمون ما عُرف بـ “عام الجماعة”.
وهنا حدث التحول الحقيقي:
من دولة تعتمد على إجماع المدينة،
إلى دولة تعتمد على مركز قوة واحد.
لم يكن الأمر مجرد صلح، بل كان إعادة تعريف لمفهوم الحكم.
** زاوية لم تُقرأ كثيرًا: الإعلام وصناعة الرأي.
الفتنة الكبرى كانت أول حرب يُستخدم فيها “الرأي العام” كسلاح.
في الشام، بنى معاوية شبكة ولاء سياسية وإدارية متماسكة منذ زمن عمر بن الخطاب.
وفي الكوفة، واجه عليٌّ مجتمعًا منقسمًا قبليًا، سريع الاشتعال، متقلب المزاج.
لم تكن المشكلة في شجاعة علي فقد كان أشجع من في الميدان
ولا في دهاء معاوية . فقد كان من أدهى العرب .
بل في البيئة السياسية المحيطة بكل منهما.
معاوية حكم إقليمًا مستقرًا.
عليٌّ ورث عاصمةً مضطربة.
الفرق بين الاستقرار والاضطراب قد يحسم معركة قبل أن تبدأ. - الخاسر الأكبر… الفكرة أم الأشخاص؟
كثيرون ماتوا في معركة صفين،
لكن الذي مات فعليًا كان “الانسجام السياسي الأول” في تاريخ المسلمين.
من بعدها ظهر الخوارج، وتكرست الانقسامات، وتحوّل الخلاف السياسي إلى خلاف عقدي.
هنا نقطة نادرًا ما تُناقش:
الفتنة الكبرى لم تُنتج فقط انقسامًا سياسيًا،
بل أنتجت مدارس فكرية كاملة.
لو جردنا المشهد من القداسة والعاطفة، سنجد:
عليٌّ يمثل نموذج الحاكم المثالي أخلاقيًا، الصلب في الحق، قليل المساومة.
معاوية يمثل نموذج رجل الدولة الواقعي، الذي يُقدّم الاستقرار ولو بثمن سياسي.
التاريخ لا يحكم بالنيات فقط،
بل يحكم بالنتائج.
وقد انتصر نموذج “الدولة المنظمة” في النهاية،
لكن بقي نموذج “العدل الصارم” حيًا في الوجدان.
الخلاصة… لماذا نقرأ الفتنة الكبرى اليوم؟
لأنها ليست قصة الماضي فقط.
هي سؤال يتكرر في كل عصر:
هل نحافظ على المبادئ ولو اهتزت الدولة؟
أم نحافظ على الدولة ولو تنازلنا سياسيًا؟
الفتنة الكبرى ليست مجرد صراع بين علي ومعاوية،
بل لحظة تحوّل من “مثالية المدينة” إلى “واقعية الإمبراطورية”.
ومن يقرأها بهذه الزاوية،
لن يبحث عن بطلٍ وخائن،
بل عن لحظة وُلد فيها شكل جديد للحكم.
— لا نقرأ التاريخ… بل نفتح ملفاته المغلقة.
/ محمد مصطفى كامل

