د.سوهير الطويل
في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات، وتعلو فيه الأصوات، بات كثير من الآباء يشكون من صعوبة تربية الأبناء، وكأن التربية تحولت إلى معركة يومية بين أمرٍ يُلقى، وسلوكٍ يُقاوِم. لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب النفسية والتربوية، أن السلوك لا يتغير بالقسوة، ولا يُقوَّم بالصراخ، بل يُهذَّب حين يشعر الطفل أنه مسموع، ومفهوم، ومحتوى.
التربية في جوهرها ليست مجموعة تعليمات تُفرض، بل علاقة إنسانية تُبنى. وكل علاقة لا تقوم على الأمان، لا تُثمر طاعة حقيقية، وإنما تنتج خوفًا مؤقتًا أو تمردًا مؤجلًا.
النصح الهادئ هو أحد أعمدة التربية الواعية؛ لأنه يُخاطب العقل دون أن يجرح الكرامة، ويصل إلى القلب دون أن يُربك النفس. حين نختار كلماتنا بهدوء، وننتظر اللحظة المناسبة للحوار، فإننا نمنح أبناءنا فرصة للفهم، لا مجرد الامتثال.
أما الاحتواء، فهو اللغة الصامتة التي تقول للطفل: «أنا معك، حتى وأنت مخطئ». الاحتواء لا يعني تبرير الخطأ، بل يعني فصل السلوك عن صاحبه؛ نرفض الفعل، لكننا لا نرفض الطفل. وهذا الفارق الدقيق هو ما يصنع طفلًا قادرًا على الاعتراف بخطئه، لا الهروب منه.
الحوار العائلي ليس رفاهية تربوية، بل ضرورة نفسية. البيت الذي تُناقَش فيه المشكلات بهدوء، وتُسمَع فيه وجهات النظر، هو بيت يُعلّم أبناءه التفكير، لا الخضوع. فالأبناء الذين يُسمح لهم بالتعبير، يتعلمون كيف يُعبّرون عن أنفسهم دون عدوان، وكيف يختلفون دون أن يفسد الاختلاف علاقتهم بالآخرين.
تغيير السلوك لا يحدث فجأة، ولا يتحقق بقرار واحد. إنه عملية تراكمية تبدأ بالفهم، وتستمر بالصبر، وتكتمل بالثبات. حين يرى الطفل انسجامًا بين ما نقوله وما نفعله، بين قيمنا وسلوكنا، يصبح التغيير تلقائيًا، لأن القدوة أبلغ من ألف نصيحة.
إن التربية القائمة على الاحتواء والحوار لا تُخرِج أبناءً بلا حدود، كما يظن البعض، بل تُخرِج أبناءً يعرفون حدودهم جيدًا، لأنهم تعلموها في مناخ من الاحترام لا القهر، ومن التوجيه لا الإذلال.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم لكل أب وأم:
هل نريد أبناءً يطيعوننا خوفًا؟
أم نريد أبناءً يفهمون، ويقتنعون، ويختارون الصواب لأنهم آمنوا به؟
التربية الحقيقية لا تصنعها اليد العالية، بل يصنعها القلب الواعي، والكلمة الهادئة، والبيت الذي يتسع للحوار قبل العقاب.


