بقلم : عماد نويجي
في زمنٍ تتزاحم فيه الضغوط وتثقل القلوب بما كسبت الأيدي يظن كثيرون أن الطريق إلى الله طريقٌ لا يسلكه إلا من صفا قلبه وخفّ حمله من الذنوب. لكن الحقيقة التي يكررها تراثنا الروحي وتؤكدها تجارب العائدين أن باب الله لا يُفتح للكاملين وحدهم بل لكل من صدق في التوجّه ولو جاء مثقلًا بما مضى
فلسفة التوبة في جوهرها ليست مكافأة للنقاء بل فرصة للبدء من جديد إن اشتراط الكمال قبل الإقبال هو في ذاته أحد أخطر أوهام النفس لأنه يؤجّل الخطوة الأولى إلى ما لا نهاية أما الصدق فهو الشرط الحقيقي صدق الندم وصدق العزم وصدق الرجوع
التاريخ الروحي للأفراد والمجتمعات يخبرنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ بقفزات مثالية بل بخطوات متعثرة لكنها واعية فكم من إنسانٍ ظن أن المسافة بعيدة فلما بدأ السير اكتشف أن الطريق يقصر مع كل خطوة وكم من قلبٍ ظن أن أثقاله ستمنعه من الوصول فإذا بها حين صدق ، تتحول إلى وقودٍ يدفعه إلى الأمام
المشكلة ليست في ثِقل الذنب بقدر ما هي في طول الغفلة. الذنب مهما عظم يمكن أن يُغسل بدمعة صادقة وعملٍ يتبعه أما الغفلة المستمرة فهي التي تُطيل التيه وتؤجل العودة لذلك كانت الحكمة البليغة: كل خطوةٍ صادقةٍ تمحو أميالًا من الغفلة
في عصر السرعة الرقمية حيث تُقاس الأمور بالنتائج الفورية قد يبدو طريق التغيير الداخلي بطيئًا لكنه في الحقيقة الطريق الأكثر واقعية واستدامة فالإصلاح الحقيقي لا يحدث بضغطة زر بل بتراكم خطوات صغيرة واعية ومستمرة
ولعل الرسالة الأهم هنا أن اليأس ليس علامة تواضع بل فخّ خفيّ يمنع كثيرين من المحاولة. الطريق إلى الله لا يطلب منك أن تكون بلا خطيئة بل أن تكون صادق الرغبة في القرب. لا يطلب منك أن تصل دفعة واحدة بل أن تبدأ
في النهاية تبقى القاعدة الأصدق
ليس المهم أين تقف الآن… بل إلى أين تتجه
وهل خطوتك القادمة صادقة أم لا


