مقال

حين تغرب الشمس لا ترحل، بل توزّع نورها


بقلم : عماد نويجي
ما إن تغرب عنا الشمس حتى يظن بعضنا أن الضوء قد انطفأ وأن النهار طوى صفحته الأخيرة غير أن الحقيقة أعمق من هذا الظن العابر فالشمس لا تغيب بقدر ما تُبدّل موقعها ولا تنسحب بقدر ما تُعيد توزيع عطائها إنها في حكمة الكون لا تحتكر الضوء لقومٍ دون قوم ولا تمنحه لزمانٍ دون آخر بل تدير عجلة النهار لتعلّمنا درسًا في العدل والتوازن

حين يهبط المساء علينا لا يكون ذلك إعلان خسارة بل إشارة راحة كأن الضوء في رقّته يشفق على أعينٍ أرهقها السعي وعلى قلوبٍ أثقلها الضجيج فيقول: آن أوان السكون فكما أن للحركة حقّها فللسكون حقّه أيضًا وكما أن للأحلام شمسًا تشرق فللأجساد قمرًا يهدّئ نبضها

إن غروب الشمس ليس نهاية الحكاية بل استراحة بين فصلين هو وعدٌ مؤجل بالشروق ورسالة ضمنية بأن كل أفولٍ يعقبه ظهور وكل عتمةٍ مؤقتة تحمل في أحشائها بذرة الضوء القادم ومن تأمل دورة الليل والنهار أدرك أن الكون لا يعرف الفراغ فإذا انحسر النور هنا تمدّد هناك وإذا أرخى الليل ستاره على أرضٍ كان الفجر قد شدّ خيوطه في أرضٍ أخرى

وفي هذا المعنى فلسفة إنسانية عميقة لسنا مركز الضوء الوحيد في هذا العالم كما أن لحظات ضعفنا ليست نهاية الطريق قد نغيب عن مشهدٍ لنحضر في آخر وقد يخفت حضورنا في موضعٍ ليشتدّ في موضعٍ سواه الحياة كالشمس لا تتوقف عند أفقٍ واحد بل تمضي في دورتها عادلةً في عطائها رحيمةً في توقيتها

فلنطمئن إذن إلى حكمة الغروب إنه ليس انسحابًا بل تنظيمٌ للعطاء وليس حرمانًا بل دعوةٌ إلى راحةٍ مستحقة وما بين غروبٍ وشروق نتعلم أن النور لا يموت… إنما يهاجر قليلًا، ليعود إلينا أكثر صفاءً وإشراقًا

osama elhaowary

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *