مع الفصل العاشر … والفصل الحادي عشر
رواية من وحي الخيال أحداثها في قرية شبلنجة مركز بنها قليوبية
**********************************
10 ـ نهاية حتمية
******
في صباح اليوم التالي الطوبجي يتجول في شوارع شبلنجة سائرا علي
الأقدام خلفه رجاله رافعين الرأس في حالة من الكبرياء والتباهي والافتخار
لم لا فمنذ سنوات لم يكن لهم وجود والآن أمامهم القائد .
لكن الغريب في الأمر أنه أمرهم بأن تظل الحياة طبيعية وعدم غلق
المحلات وتظل مفتوحة النهار والليل والناس تعمل في حمايته شخصيا
وأصدر أوامره أمام الجميع لأفراد عصابته بعدم التعرض لأحد إلا بأمره
وكان أيضا يلقي السلام علي الأهالي وأصحاب الدكاكين فلم يتعودوا منه
علي هذا واطمئن الجميع وزال الخوف من القلوب ,
في ظل استغراب عثمان ومن كان معه أثناء مقابلته بالأمس ,
ظن عثمان أنها خدعة من سامي , قائلا لنفسه أخدعة هذه ؟
وكل من يقابله سامي , يقابله بابتسامة وسماحة الوجه ,
وتزداد دهشة عثمان ومن كان معه في لقاء سامي بالأمس حتي بدأ يراود
نفسه بعدم جمع المال له و إحضار الكشوف المسجل فيها أسماء الموردين
له المال كما أمره سامي لكنه في لحظة تراجع عن فكرته حينما رأي الشر
يستوطن في عيون كل من القليوبي وسليمان وحمزاوي .
واندفع نحوه بعض الأهالي وقبلوا يد سامي فارحين بعودته وتغيره معهم
و المخاوف تسكن القلوب و الاستفهامات تحاصرهم والأسئلة تراودهم
لو كان تغير بالفعل فلم ترك الناس تقبل يده خاضعين مستسلمين له ,
أيقنوا أنه هو .. هو , لا جديد عما قد سبق ,
أما رياض المحلاوي في هذا اليوم أغلق محلاته ومصانعه في حراسة
رجاله متأهبين مستعدين لأي حدث .
تري إلي أين يتجه سامي لمؤسسة المحلاوي أم إلي نقطة الشرطة رغم أنه
لم يستسلم لأي جهة من قبل , ورجال الشرطة القدامى يعلمون هذا لكنهم
كانوا أيضا متأهبين لأي فعل قد يحدث من سامي ورجاله .
فسامي في الماضي قبل أن يفعل أي جريمة كان يعلم مخارجها القانونية
وكيفية الخلاص منها ومحاسبة من أبلغ عنه الشرطة فقد درس القانون
ويعلم الثغرات ونقاط الضعف والقوة , وكان متفوقا حتي بداية الفرقة
الرابعة من كلية الحقوق جامعة بنها لكنه ترك الكلية رغم تفوقه تاركا
التعليم لأبناء الأغنياء فهو ابن مؤذن الجامع البسيط الشيخ أمين الطوبجي
واتجه إلي عالم الشر والانتقام , لأن أصحاب المعالي في الجامعة يفرقون
في المعاملة بين أبناء الذوات وأبناء الفقراء .
ولم يرتضي سامي بهذا فأبيه يقرأ القرآن ليلة الجمعة وصباحها في بيوت
الناس ليأخذ حبة قمح أو بيضة أو كيلو حليب وقليل من المال من أجل
تعليم أبناءه سامي وشروق ودنيا .
فقد فاض الكيل . ففي يوم من الأيام أراد سامي الاستفسار عن معلومة
في القانون الجنائي من الدكتور الذي تجاهله وكرر سامي السؤال فنهره
الدكتور وقال له : سؤالك هذا سؤال دراسات عليا ليس من حقك الآن أغلق
فمك هذا , سامي أريد الإيضاح لأن حضرتك وضعته في امتحان العام
الماضي حتي نتجاوز ما وقع فيه من سبقونا من خطأ .
الدكتور أتعلمني ماذا أفعل وما لا أفعل اخرج برا يا قليل الأدب ولا تحضر
لي أي محاضرة لنهاية العام وأعلم أني سأجعلك من الراسبين يا كلب .
سامي في نفسه كلب وقليل الأدب أنا هـ أوري لك قلة الأدب وانطلق نحوه
وضرب الدكتور ضربا مبرحا حتي أصابه بالجروح وفصل من الجامعة
علي أثر ذلك , واتجه سامي إلي الشر والانتقام .
سامي يسير الآن في شوارع شبلنجة كالملك المتوج حوله رجاله وكثير من
شباب البلد المعجبين به وكثير من الناس الرافضين فساد رياض المحلاوي
وقف سامي وخلفه الجميع أمام عرينه القديم الخص العجيب يتأمله في
صمت وخشوع مما أثار دهشة الجميع منتظرين دخوله والبعض يريد
أن يراه من الداخل .
لكنه أصدر أوامره لرجاله بهدم هذا الخص وبدأ الهدم دون مراجعة
أو جدال حتي تساوي بالأرض مما أثار مخاوف أهل البلد وكذلك
رياض المحلاوي .
والتساؤلات تتبعثر من علي الألسن في كل مكان .
أين يكون مقر سامي الجديد بعد نهاية هذا الخص العجيب .؟
إلي متى يتفاخر بنفسه في صمت ويسخر من نفسه في صمت
يتذكر ماضيه . لمعانه المدفون في ثورة الصخور .
لكنه يستنشق الحياة دون قيد .
***************
11 ـ البعد الآخر
عيون الأمس تهاجم رياح الذكري في قلب شروق ودنيا وأي قدرة تستطيع
أن تمحو أثار الصفعة التي تلقتها شروق علي وجهها من سامي أمام الناس
وهي المهندسة التي يهابها الناس ويقدرون لها قدرها وشأنها في مؤسسة
المحلاوي وهل يستطيع سامي الذي أباد الخص وتناقضت أفعاله مع الناس
و مع رجاله ومع شقيقتيه أن يمحو أثار الصفعة والعودة إلي نقطة البداية
بعد عودته مع شروق ودنيا وهو الآن في انتظار عثمان بالمال والسجلات
المسجل فيها أسماء الناس .
شروق تقدم له الطعام منكسرة ذليلة ودنيا تقدم له الشراب مضطربة ينظر
لها فتسقط الصينية التي في يديها رعبا وخوفا منه تلملم الأشلاء من علي
الأرض وهو يضحك قائلا لنفسه . لم يكن الآن فالغد قريب .
في ظل صمتهما ودهشتهما وعدم القدرة علي تفسير الجملة الصادرة منه
يرن جرس الباب ويتقدم سامي لفتح الباب وجاء عثمان وسالم وهمام
وبطرس ومعهم حقائب أكبر من الحقائب السابقة بعد التحية والسلام
وضعوها علي الأرض وقدموا له السجلات المدون فيها أسماء الناس
أخذها سامي ونظر فيها قائلا : هذا كل ما استطعتم
ـ عثمان نعم
سامي يقترب منهم قائلا : فلوسكم لا تساوي شيئا بالنسبة لي .
سالم : نعلم أنها قليلة
همام : ما باليد حيلة ماذا نفعل في ظل ظلم المحلاوي لنا
بطرس : المحلاوي لا دين له ولا ملة أملنا في الرب وفيك
سامي: الأمل في غير الله سراب
عثمان : ماذا تقصد ؟ أتتخلي عنا . ؟
سامي : أريدكم أنتم ألا تتخلوا عني . أنا أريد قلوب صلبة محبة حنونة
شرسة لا تخشي الموت تحب وتكره تموت وتحيا , تنطلق خلف أهدافها
بطرس : هذا تناقض غريب
سامي: ستفهمون إذا أردتم الفهم , وستصلون إذا أردتم الوصل , وتتحدون
إذا أردتم , كل شئ من الذات إلي الذات . والآن أذهبوا من حيث جئتم .
خرجوا من عنده وهم في حالة من الدهشة التي سيطرت عليهم ,
وعلي شروق ودنيا وهم بالداخل مما سمعوا من سامي .
بعد خروجهم بقليل يرن جرس الباب وإذا بـ شوكت رفعت مدير أعمال
رياض المحلاوي ومعه حقيبة كبيرة بعد الترحيب والتعارف والسؤال
شوكت يقدم الحقيبة ويقول لسامي بها خمسة مليون جنيه عربون محبة من
رياض بيه لحضرتك يأخذها سامي ويضعها مع الحقائب الأخرى
ـ سامي قبلنا العربون .
ـ شوكت : والمحبة .؟
ـ ننظر فيها فيما بعد .
تزداد دهشة شروق ودنيا. ماذا يريد سامي الغموض يسيطر علي كلامه
وأفعاله متناقضة أحيانا هادئا وأحيانا عصبيا لننظر ماذا يريد وفيما يفكر
وكيف يكون القادم .؟
ـ ماذا بعد العربون يا شوكت . ؟
شوكت : لقاء بين جنابك والمحلاوي بيه في مكتبه غدا .
ـ ( بهدوء ساخرا ) لقاء غدا في مكتبه ( يضحك )
يقف فيقف شوكت وبصوت مرتفع مخيف : سامي هو الذي
يحدد الزمان والمكان وبمن يلتقي ومن لا يلتقي .
شوكت : ( بخوف ) أمرك يا طوبجي بيه
سامي يجلس بهدوء : قل له الميعاد الآن هنا في داري فأنا سامي
الطوبجي لا أذهب لأحد الكل يأتي لي ( يضحك ضحكة مخيفة )
: أسمع يا ….. قولت لي أسمك أيه ؟
شوكت : شوكت رفعت
سامي : بـ تشتغل أيه عند المحلاوي يا شوكت ؟
شوكت : مدير أعماله
سامي اتصل بالمحلاوي الآن أخبره يأتي هنا اللقاء الآن .
شوكت يتصل . وشروق ودنيا بالداخل دنيا شوكت اللي كان بـ يتعالي
علينا أتبهدل يا شروق أحسن , ربنا يخليك لينا يا سامي
دنيا : مش خايفة منه ؟
شروق : مش عارفة خايفة ولا مش خايفة لكن اللي عمله مع هذا الرجل
شوكت المتعجرف فرحني كتير . تنظر لها دنيا في صمت
شروق : تفتكري المحلاوي ح يوافق يجي هنا ؟
دنيا : مش ممكن يوافق دا إنسان متعالي ,
شوكت ينتهي من المكالمة الهاتفية في المحمول مع المحلاوي قائلا
ـ شوكت وافق رياض بيه يجي هنا وهو في الطريق الآن .
سامي يضحك قائلا : أنا مش موافق أنه يجي قوله يرجع وبكرة يحلها
المولي بالسلامة أنت والمحلاوي .
شوكت يقترب من الحقيبة ويحملها . سامي يأخذها منه قائلا
ـ مش عيب عليك بعد ما قبلت العربون يرجع تاني
شوكت ينظر له متعثر اللسان ال . اللقاء
ـ سامي : اللقاء يوم اللقاء بالسلامة يا مدير الأعمال بالسلامة
يخرج شوكت وسامي ينادي علي شروق ودنيا
شروق : ح تعمل أيه بالفلوس دي كلها
سامي: حاجة مش ح تخطر علي بالكم
دنيا : هي أيه ؟
سامي : ليس كل ما يعرف يقال أو حضر أوانه أو رجاله
كل شئ في وقته حلو , بس لا زم تعرفوا إني فعلا أتغيرت للأفضل
وهدمت الخص وصفعتي علي وجهك حبيبتي شروق ما هي إلا تمويه
ونجاح لما قد يكون غدا أن شاء الله .
تنظر له شروق ودنيا في حالة من الدهشة والاستغراب .
تاهت ملفات الزمان , الماضي يعانق نبضهما الحائر . والآن غادر محيط
الذاكرة . استسلمتا للوضع الراهن بفتور حاد انتظارا للأيادي والدعائم التي
تنتشلهما من العوادي المتكررة في ظل الغموض المفروض علي واقعهما
******************
الأديب الشاعر والسيناريست / خالد الجمال


