بقلم : د . هاني المصري
لم يعد من المقبول التعامل مع ما يُثار حول بعض المدارس الأجنبية في مصر باعتباره مجرد جدل تعليمي عابر أو خلافات مالية بين إدارة وأولياء أمور. ما يتكشف تدريجيًا يطرح سؤالًا أخطر يتعلق بحدود السيادة داخل مؤسسات يفترض أنها تعمل تحت مظلة الدولة المصرية. فحين تتراجع الرموز الوطنية داخل بعض هذه المدارس، وتتضخم المصروفات بلا ضوابط واضحة، ويتسع الشعور بالفجوة بين الإدارة والأسر، فإن الأمر يتجاوز إطار الخدمة التعليمية ليقترب من ملف يمس الأمن الثقافي والوطني بصورة مباشرة.
رموز الدولة… هل أصبحت محل تجاهل؟
تتكرر شكاوى أولياء الأمور بشأن ضعف الالتزام بالرموز الوطنية داخل بعض المدارس، مثل عدم الانتظام في تحية العلم، أو عدم رفع علم مصر داخل الحرم المدرسي بالشكل اللائق، أو وضعه في مواقع هامشية لا تعكس مكانته الرمزية.
إذا صحت هذه الوقائع، فإن الأمر لا يمكن اعتباره تفصيلًا إداريًا بسيطًا، بل مسألة تمس جوهر الانتماء. فالعلم ليس قطعة قماش، بل رمز سيادة وكيان وهوية. وتعمد تجاهله — أو التقليل من حضوره — يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى التزام بعض الإدارات الأجنبية بالضوابط الوطنية التي تنظم عملها على أرض مصر.
الانفتاح على العالم لا يعني القطيعة مع الوطن. وتعليم دولي لا يحترم هوية الدولة التي يعمل داخلها يفقد أحد أهم شروط شرعيته الأخلاقية.
مناهج عالمية… وهوية محلية غائبة؟
لا خلاف على أهمية التعليم الدولي والانفتاح الأكاديمي، لكن الإشكالية تظهر حين يتحول الإعجاب بالنموذج الأجنبي إلى تهميش غير مباشر للتاريخ الوطني والرموز المصرية داخل البيئة المدرسية.
التوازن هنا ليس رفاهية. فالمدرسة لا تصنع فقط طالبًا يجيد لغة أجنبية، بل تصنع مواطنًا. وإذا خرج الطالب وهو يشعر بانتماء أقوى لثقافة خارجية مقارنة بثقافته الوطنية، فإننا نكون أمام خلل استراتيجي، لا مجرد خيار تربوي.
المصروفات… تعليم أم استثمار بلا سقف؟
على الصعيد الاقتصادي، تصاعدت شكاوى أولياء الأمور بشأن زيادات سنوية مبالغ فيها في المصروفات الدراسية، ورسوم إضافية تحت مسميات متعددة، من تطوير وبنية تحتية وأنشطة ومواد تعليمية مستوردة.
كثير من الأسر باتت تشعر بأنها أمام معادلة غير متكافئة: إما القبول بالأرقام المفروضة دون شفافية كافية، أو المخاطرة بنقل أبنائها من بيئة تعليمية اعتادوا عليها. التعليم هنا يتحول تدريجيًا من رسالة إلى سلعة مرتفعة الثمن، دون رقابة واضحة تضمن عدالة التسعير أو تبرير الزيادات.
فجوة إدارية وتعالٍ في التعامل
تتحدث شكاوى أخرى عن ضعف قنوات التواصل، وصعوبة الوصول إلى حلول عادلة عند وجود خلافات، بل وعن أسلوب إداري يراه البعض متعاليًا أو غير متفهم للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الأسر المصرية.
إذا كانت المدرسة شريكًا للأسرة في بناء مستقبل الأبناء، فلا يمكن أن تُدار بعقلية استثمارية بحتة تتجاهل البعد الإنساني والوطني.
رسالة مباشرة إلى وزارة التربية والتعليم والجهات الرقابية
اليوم، لم يعد الصمت مقبولًا، ولا الاكتفاء بالتصريحات العامة كافيًا. المطلوب تحرك فوري وحاسم من وزارة التربية والتعليم وكافة الأجهزة الرقابية لإجراء مراجعة شاملة وحقيقية لأوضاع المدارس الأجنبية، خاصة فيما يتعلق بالالتزام بالرموز الوطنية، وضبط المصروفات، واحترام اللوائح المنظمة للعمل التعليمي داخل الدولة المصرية.
ملف التعليم ليس مجالًا للتجربة أو المجاملة. هو أحد أعمدة الأمن القومي، لأنه يتعلق بتشكيل وعي الأجيال. وأي تهاون مع مخالفات تمس الهوية أو تستغل الأسر اقتصاديًا لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا إداريًا عاديًا.
المطلوب إجراءات واضحة، معلنة، ورقابة فعلية داخل المدارس، ومحاسبة شفافة لكل من يثبت تجاوزه، أيا كان موقعه أو جنسيته. من يعمل على أرض مصر يخضع لقوانينها ويحترم رموزها، بلا استثناء.
مصر ليست ضد التعليم الدولي، ولم تكن يومًا منغلقة على العالم. لكنها في الوقت ذاته دولة ذات سيادة وهوية راسخة. التحدي ليس في وجود مدارس أجنبية، بل في ضمان ألا تتحول إلى مساحات معزولة عن روح الدولة وقيمها.
المعادلة العادلة واضحة: تعليم عالمي… تحت مظلة وطنية. انفتاح… دون تفريط. جودة… دون استغلال. وهوية محفوظة داخل كل فصل دراسي، وكل ساحة مدرسة، وكل علم يُرفع صباحًا في سماء مصر.


