مقال

نظرة


‏بقلم /محسن رجب جودة
‏كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرًا، الموعد الذي ينتظره الجميع عدا “أمل”. فبالنسبة لزملائها في الفصل، هذا هو وقت “الفسحة” والمرح، أما بالنسبة لها، فهو الوقت الذي يشتد فيه صمت معدتها وتنكشف فيه خبايا الحقائب.
‏سيمفونية الروائح
‏بمجرد أن رنّ الجرس، تحول الفصل إلى خلية نحل صاخبة. فُتحت الحقائب الملونة، وانبعثت روائح كانت بالنسبة لأمل كأنها ألحان سماوية بعيدة المنال.
‏عن يمينها: “سارة” تخرج شطيرة الجبن السائح التي تفوح منها رائحة الزعتر البري.
‏عن يسارها: “خالد” يقضم تفاحة حمراء لامعة، صوت قرمشتها كان يتردد في أذني أمل كضربات طبلٍ قاسية.
‏أمامها: كانت هناك علبة بلاستيكية أنيقة تحتوي على قطع البسكويت المغطاة بالشوكولاتة الداكنة.
‏كانت أمل تجلس بظهر مستقيم، تحاول جاهدة أن تظهر بمظهر المنشغلة بترتيب أقلامها المبرية حتى تآكلت أطرافها. كانت تختلس النظر، نظرة واحدة سريعة، تشحن بها خيالها لتقنع معدتها بأنها تشاركهم الوليمة. كانت تتخيل طعم السكر، وليونة الخبز الأبيض، ودفء الحساء الذي يحمله البعض في مطاراتهم الصغيرة.
‏لحظة الانكسار
‏في تلك اللحظة، لاحظت “ليلى” – وهي فتاة عُرفت بهدوئها – نظرات أمل. لم تكن نظرة أمل حاقدة، بل كانت نظرة “شغف” طفولي بريء، تشبه نظرة عصفور يراقب نافذة مغلقة خلفها فتات خبز.
‏شعرت أمل بالإحراج حين تلاقت عيناها بعيني ليلى، فأطرقت برأسها بسرعة، وبدأت تفرك يديها الصغيرتين اللتين أضناهما برد الشتاء. وضعت أمل يدها في حقيبتها القماشية البالية، وأخرجت قطعة خبز جافة “قراقيش” كانت قد أعدتها أمها من بقايا عجين الأمس، وبدأت تأكلها ببطء شديد، محاولةً إيهام نفسها بأنها ألذّ ما في الغرفة.
‏الحبكة: المفاجأة غير المتوقعة
‏فجأة، نهضت ليلى من مقعدها وحملت علبتها المليئة بالفاكهة والشطائر، وتوجهت نحو سبورة الفصل. نادت بصوتٍ عالٍ:
‏”يا رفاق! لقد أعدت أمي اليوم كمية كبيرة من الفطائر المحلاة بالعسل، وقالت لي إن من يأكل وحده يصاب بالملل.. من منكم يريد أن نتشارك (لعبة التذوق)؟”
‏ساد الصمت للحظة، ثم بدأت ليلى توزع القطع، وتعمدت أن تجعل محطتها الأخيرة هي طاولة أمل. وضعت أمامها الفطيرة الأكبر، المغموسة بالعسل الذهبي، وقالت بابتسامة دافئة:
‏”أمل، هل يمكنكِ مساعدتي؟ لقد أخذتُ قطعة من خبزكِ المقرمش بالأمس وأعجبني جدًا، هل نتبادل اليوم؟”
‏النهاية: طعم الكرامة والحب
‏لم تكن الفطيرة هي ما أذاب غصة الحلق لدى أمل، بل كانت تلك الكلمات التي حفظت كرامتها أمام الجميع. تذوقت أمل العسل، فشعرت لأول مرة أن للفقر نهاية، وأن الدفء لا يأتي فقط من الطعام، بل من القلوب التي تشعر بغيرها دون أن تُشعرهم بالنقص.
‏انتهت الفسحة، لكن أثر تلك “النظرة” التي تحولت من حرمان إلى احتواء، ظل مرسومًا على وجه أمل في صورة ابتسامة لم تنطفئ طوال اليوم.

Tag:

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *