مقال

مسارات القوة التي لا يراها أحد


بقلم/نشأت البسيوني

في حياة مزدحمة بالمظاهر يرتفع فيها من يملك الضجيج وينخفض فيها من يملك العمق يتقدم من يتكلم كثيرا ويتراجع من يفكر بعمق يعيش الإنسان صراعا مستمرا بين ما يبدو وما هو حقيقي وبين ما يظهر للناس وما يعرفه عن نفسه وحده وبين طريق يريد أن يسلكه وطريق يفرضه عليه الآخرون وهنا تظهر المسارات الخفية للقوة القوة التي لا تحتاج إلى منصات ولا جمهور ولا تصفيق ولا حتى

شهود قوة تعتمد على بناء الإنسان لنفسه من الداخل قبل أن يحاول أن يثبتها في الخارج قوة تعرف أن ما يدوم لا يكون صاخبا وأن ما ينجح لا يحتاج إعلانا وأن ما يميز الإنسان حقا لا يلتفت إليه معظم الناس هذه القوة تبدأ من إدراك بسيط لكنه حاسم أن الهدوء ليس ضعفا وأن التأني ليس بطئا وأن التفكير قبل الفعل ليس ترددا وأن التقدم البطيء الثابت أفضل ألف مرة من الركض في اتجاه لا يعرف

الإنسان نهايته القوة هنا ليست في الكلام ولا في الظهور ولا في الصدام بل في التحكم في النفس وفي القدرة على ضبط ردود الأفعال وفي اختيار الوقت المناسب للتحرك وفي معرفة متى يتكلم الإنسان ومتى يصمت ومتى يتحرك ومتى يتراجع ومتى يترك الأمور تأخذ مسارها دون أن يفرض نفسه عليها ومع الوقت يتحول هذا الإدراك إلى طريقة حياة يصبح الإنسان أقل اندفاعا وأكثر

حكمة أقل صخبا وأكثر تركيزا أقل تعلقا برأي الآخرين وأكثر ثقة بما في داخله لا يعود بحاجة لمن يصفق له ولا لمن يوافقه ولا لمن يفهمه يكفيه أنه يعرف نفسه ويعرف قيمته ويعرف الطريق الذي يسير فيه ومع كل خطوة يتأكد أن القوة الحقيقية ليست في الفوز على الآخرين بل في الفوز على نفسه على خوفه على تردده على غضبه على اندفاعه على نقاط ضعفه التي كان يظن أنها ثابتة لا

تتغير ومن يسلك هذا المسار يكتشف أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى شهادة من أحد ولا اعتراف من أحد لأنها تظهر وحدها في طريقة مشيه في قراراته في هدوئه في صبره في نظرته للأمور القوة تظهر عندما يتحدث قليلاً لكنه يترك أثراً كبيرا وعندما لا يدخل كل معركة لكنه ينتصر في المعارك التي يختارها وعندما يعرف أن الانسحاب ليس هزيمة بل حكمة وأن الصمت ليس ضعفاً

بل قوة وأن الهدوء ليس قلة حيلة بل قمة السيطرة ومع مرور الوقت تتحول هذه القوة من سلوك إلى هوية يصبح الإنسان هوية مستقلة لا يشبه أحدًا ولا يسعى ليكون نسخة من أحد لا يقلق من المقارنات ولا يبحث عن الاعتراف ولا يطارد رضا أحد يعرف أن قيمته ليست في العيون التي تراه ولا في الأفواه التي تمدحه بل في الداخل الذي بناه بصبر وروية ووعي يعرف أن الطريق الذي

يصنعه بعرقه وحده هو الطريق الذي سيقف عليه بثبات مهما اشتدت الرياح ومهما تعالت الأصوات حوله ومهما حاول البعض التقليل منه وهكذا يصبح الإنسان صاحب قوة لا ترى لكنها تشعر لا يسمعها أحد لكنها تحدث أثرها لا يتحدث عنها لكنه يعيشها كل يوم قوة لا تأتي بالصدفة ولا بالمجاملات بل تأتي من نضج حقيقي ومن صراع داخلي ومن سنوات فهم فيها الإنسان نفسه قبل أن يحاول

فهم العالم ومن قدرة على الوقوف ثابتا عندما يهتز الجميع وعلى الصمود عندما يستسلم الآخرون وعلى البقاء هادئاً عندما يتوقع الجميع أنه سينهار هذه هي القوة التي تبني حياة مختلفة تماما حياة لا تعتمد على ضوضاء ولا على تصفيق ولا على مواجهة مستمرة حياة تعتمد على عمق وهدوء وتركيز وثقة حياة يعرف فيها الإنسان أنه لا يحتاج أن يثبت شيئا لأحد لأنه ممتلئ بما يكفي

من الداخل ليكمل طريقه دون خوف ودون صدام ودون أن يلتفت لمن يحاولون جره إلى أرض لا ينتمي إليها

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *