Uncategorized

حقيبة وزارية وحقيبة رمضانية ومفارقة الممر مئة وعشرة



بقلم / محمد جابر

في الممرات يختبئ حقيقة  الواقع لا لترقية العقول فحسب بل لفضح الاوهام وكشف هشاشة الادعاء ففي مواسم التغيير الوزاري تتجه الأنظار عادة إلى الحقائب الثقيلة ذات الطابع السيادي أو السياسي غير أن الممر  يمنحنا حقيبتين لا تقلان وزنا في وجدان المواطن الأولى هي الحقيبة الوزارية والثانية وهي الأثقل على الإطلاق الحقيبة الرمضانية التي لا يحملها وزير واحد بل يحملها شعب كامل على أكتافه وقلوبه وجيوبه  وكأننا أمام قصة قديمة جديدة أبطالها أسد وحمار لكن بأسماء عصرية وعناوين رسمية

بدأت الحكاية حين هاجم الأسد الممر ففر ساكنيه وتركوا جمالهم وحميرهم فانتقى منها ما يشاء وكان بين الحمير حمار هزيل اختبئ يراقب الممر من بعيد حتى رآه الأسد فرأف بحاله وأخذه ليطعمه ويسمنه تمهيدا لافتراسه لاحقا وخلال تلك الفترة نشأت بينهما علاقة ألفة ظنها الحمار صداقة وغفل عن أن بقاءه مرهون بحاجة الأسد إليه لا أكثر

ومع مرور الوقت اشتد عود الحمار فظن نفسه قد بلغ منزلة الأسد وطلب منه أن يترك له مهمة الهجوم على الممر حاول الأسد إقناعه بأن لكل دوره وحدوده إلا أن الحمار أصر على تقمص الدور فوافق الأسد واختبئ يراقب الممر تماما كما تختبئ ساكني الممر بأنواعهم واهتماماتهم خلف الشاشات تراقب التجربة الجديدة وتنتظر النتيجة على مائدة الإفطار لا في نشرة الأخبار وتجهيز الحقيبة الرمضانية داخل كل الحقائب الوزارية دون استثناء

هنا خرج الحمار ينهق ويجري بطول الممر كما كان يفعل الأسد بزئيره وانقضاضه لكنه لم يكن إلا صوت بلا رهبة هذه المرة لم يهرب ساكني الممر بل نزل الرجال من على خيولهم وأمسكوا بالحمار قائلين هذا حمار قوي ووضعوا فوقه غرفة لقضاء الحاجة لخدمة الممر فحين يكتشف من ادعى القوة أن أقصى ما ناله ليس القيادة بل الخدمة القسرية مسألة وقت

وهكذا يختصر الممر مفارقة عميقة في الحياة العامة حيث يختلط الادعاء بالكفاءة وتستعار الأدوار دون امتلاك أدواتها وتشتري الكراسي وتوهب الحقائب وتوزع اخري وترضية للبعض فيتحول الطموح إلى سخرية وتتحول الرغبة في الصعود إلى هبوط أشد قسوة

أما حقيبة رمضان فهي حقيبة لا تحتاج إلى قرار جمهوري ولا تصويت برلماني بل يكفي إعلان الهلال لتفتح حدوتة احتياجات رمضان في كل بيت مصري حقيبة يعرفها الجميع باسم شنطة رمضان لكنها في الحقيقة حقيبة وزارية شعبية بامتياز تتضمن ملفات حساسة مثل السكر والأرز والزيت والعدس والبلح وتحتوي على بنود غير معلنة مثل الطوابير والابتسامات الصابرة والدعاء الجماعي بأن الشنطة تكفي لآخر الشهر وكأنها المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة حكومية مهما علت عناوينها وانخفضت نتائجها

اللافت أن الحقيبة الوزارية  تدار بمنطق السياسات بينما الحقيبة الرمضانية تدار بمنطق النوايا الطيبة فالأولى تحتاج إلى دراسات جدوى والثانية تحتاج إلى دعاء الفجر ممزوج بأنين الأكتفاء

وهنا يعود الحمار إلى الممر لا كحيوان في قصة بل كنموذج في الواقع فليس كل من قلد القوي صار قويا ولا كل من رفع صوته صار مسموع ولا كل من وقف في موقع القيادة امتلك شروطها ففي السياسة والإعلام و الثقافة يتكرر مشهد الحمار الذي ظن نفسه أسد فأصر على إعادة نفس التجارب منتظرا اختلاف النتائج  دون أن يدرك أن الممرات لا تخدعها النعرات ولا النبرات ولا تنطلي عليها الحركات وأن الهيبة لا تصنع بالادعاء بل تكتسب بالجدارة وأن الكفاءة لا تقاس بزئير البيانات أو نعيق الأعلام

القصة ليست سخرية من الحمار بقدر ما هي إدانة لوهم القوة حين ينفصل عن الكفاءة وتحذير من خطورة الخلط بين الدور الطبيعي والدور المصطنع وهو الخلط ذاته الذي يجعل الحقيبة الوزاربة تبدو أحيانا كأنها حقيبة حمار يرتدي جلد أسد بينما تبقى الحقيبة الرمضانية هي الميزان الحقيقي الذي يكشف الجلد ويميز الصوت ويعري الدور ويعيد كل طرف إلى حجمه الطبيعي

وهكذا لم ينته الحمار فريسة للأسد كما كان متوقع من جميع ساكني الممر بل صار أداة في مفارقة مريرة تقول إن من يطمح فوق طاقته دون بصيرة قد لا يكافيء حتى بما ظن أنه يستحقه بل بما يناسب حقيقته التي حاول الهروب منها

وهكذا لا ينتهي الممر فريسة للسياسات كما كان متوقع بل يصير هو الميزان والحكم والقاضي عبر شنطة رمضان التي إن امتلأت قيل إن الأسد ما زال أسدا وإن فرغت قيل إن الزئير لم يكن علي ما يرام

وفي النهاية تبقى حقيبة الوزارة عنوان السياسات وتبقى حقيبة رمضان عنوان الواقع بآلامه وبين العنوانين يعيش الممر بين أمل ملفات السياسة وامل ملفات قمر الدين

osama elhaowary

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *