الدكتور. احمد صفوت السنباطي
تمر خطة ترامب المتعلقة بغزة، أو ما تسمى “صفقة القرن”، بمطبات وجودية منذ لحظة إعلانها، لكن التحديات التي تواجه تنفيذ ما يسمى “المرحلة الثانية” منها والتي تلمح إلى شكل من أشكال الحل الاقتصادي والسياسي هي تحديات أعقد من أن تكون مجرد عقبات بيروقراطية فهي تصطدم بواقع أرضي تحول إلى رماد ودماء، وبشعب فقد كل شيء ما عدا إرادة الصمود، وبسياق إقليمي ودولي لم يعد يشبه ذلك الذي ولدت فيه الخطة قبل سنوات إنها خطة ولدت ميتة في نظر الفلسطينيين، لأنها تبدأ من فرضية تجاوز الحقوق السياسية والوطنية لصالح وعود مالية وإدارية، وكأن الاحتلال والاستيطان والحرمان ليست أسباب الأزمة، بل المشاريع الاستثمارية هي الحل السحري كيف يمكنك أن تبيع خطة “تنمية اقتصادية” لشعب يعيش تحت الحصار منذ سنوات، وشهد دماراً هائلاً لكل بنيته التحتية في حرب مدمرة، ويشاهد أرضه تتناقص يومياً بفعل الاستيطان؟ إنه أشبه بمحاولة بناء قصر على بحر من الحمم البركانية، حيث ترفض الجغرافيا والسياسة والذاكرة الجماعية أن تكون حجر الأساس.
أولى هذه التحديات الكبرى هي غياب الطرف الفلسطيني الموحد والأصيل الذي يمكن التفاوض معه منظمة التحرير الفلسطينية، الطرف المفترض في الخطة، أضعف من أي وقت مضى وتواجه أزمة شرعية عميقة، بينما حماس التي تتحكم فعلياً في غزة ترفض الخطة جملة وتفصيلاً وتراها محاولة لتصفية القضية أي تنفيذ على الأرض يتطلب شريكاً فلسطينياً، وهو ما لا وجود له، مما يحوّل الخطة إلى محاولة لفرض حل أحادي الجانب قد يزيد من الاحتقان والعنف ثاني التحديات هو الرفض العربي الرسمي والشعبي الصلب، فبعد حرب غزة الأخيرة وما كشفته من حجم الدمار والمعاناة، لم يعد بوسع أي حكومة عربية أن تعلن دعمها لخطة تتجاهل مطلب الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وتتعامل مع القضية كملف إنساني وليس سياسي لقد دفعت الحرب دولاً مثل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية إلى توخي حذر أكبر وربط أي تعاون إقليمي بإنجازات سياسية ملموسة للفلسطينيين.
أما التحدي الثالث والأكثر تعقيداً فهو الواقع الإسرائيلي نفسه، حيث تحولت الحكومة الإسرائيلية إلى أكثر التحالفات تطرفاً في تاريخ الدولة، مع وزراء يرفضون حتى فكرة الدولة الفلسطينية بمختلف أشكالها، ويدفعون نحو الاستيطان المتسارع والضم الفعلي للضفة الغربية كيف يمكن لخطة أن تنجح إذا كان أحد الأطراف الرئيسيين لا يؤمن بأي من مبادئها السياسية، بل ويعمل على الأرض ضد جوهرها؟ إن إسرائيل اليوم تريد الأمن والاستقرار دون أن تدفع الثمن السياسي المتمثل في إنهاء الاحتلال، وهو مستحيل وأخيراً، هناك تحدي السياق الأمريكي المتغير، فخطة ترامب ارتبطت بشخصه وبفريق محدد، وأن الحرب في غزة جعلت التركيز على “الصفقات الاقتصادية” يبدو ساذجاً وسط مشاهد الدمار، مما قد يدفعه إما للتخلي عن الخطة أو لتعديلها جذرياً لتصبح أكثر تشدداً.
لذلك، فإن المرحلة الثانية من الخطة ليست على جدول التنفيذ الفعلي، بل هي أشبه بـ “طيف سياسي” يطارده الجميع لكنه غير قابل للإمساك الواقع الحالي في غزة هو واقع إعادة إعمار طارئة تحت القنابل، وليس واقع مفاوضات حول مشاريع سياحية ومناطق صناعية لقد دفنت الحرب أي أمل ولو ضئيل في أن تجد هذه الخطة طريقها للواقع، لأنها ببساطة ولدت في عالم سياسي مختلف، عالم ما قبل الصراع الدامي والأحقاد المتجددة إنها خطة من زمن مضى، تحاول أن تعيش في زمن لم يعد يتعرف عليها، حيث يصرخ الجرحى والثكالى بأن الحقوق لا تُباع بالدولارات، وأن الكرامة لا تُستورد عبر المعابر المستقبل في غزة سيُكتب بلغة مختلفة تماماً، لغة المقاومة والبقاء، وليس بلغة العقود والامتيازات


