أخبار العالم

هل تعيد استراتيجيات الدفاع الجديدة تشكيل تحالفات الشرق الأوسط


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي

تمضي دول الشرق الأوسط اليوم في رحلة محفوفة بالمخاطر لإعادة تعريف مفهوم أمنها الوطني، مدفوعةً باستراتيجيات دفاعية جديدة تتخلى عن الاعتماد الكلي على الحماية الخارجية وتستثمر بقوة في بناء قدرات ذاتية متطورة لم يعد النموذج القديم القائم على شراء الأمن عبر التحالف مع قوة عظمى وحيدة، أو الالتجاء إلى مظلتها النووية، مقنعاً في عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه الضمانات الأمريكية الواضحة بدلاً من ذلك، تشهد المنطقة سباقاً محموماً نحو “تأمين الذات” عبر بناء ترسانات متطورة من أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات (مثل منظومة “الدرع” السعودية أو “القبة الحديدية” الإسرائيلية وأنظمة “إس-400” التركية)، والاستثمار في صناعات عسكرية محلية طموحة، والانخراط في تكنولوجيات المستقبل مثل أنظمة الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة الهجومية والدفاع السيبراني هذا التحول من “المشتري” إلى “الصانع” و”المطور” يغير الديناميكيات الإقليمية جذرياً، حيث تتحول العلاقات من علاقة تبعية كلاسيكية إلى شراكات استراتيجية أكثر تعقيداً مع لاعبين متعددين مثل روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، بحثاً عن التكنولوجيا ونقل المعرفة لم تعد التحالفات حصرية، بل أصبحت متعددة ومتداخلة

هذه الاستراتيجيات الجديدة لا تعزز السيادة فحسب، بل تعيد تشكيل خريطة التحالفات من خلال خلق “محاور أمنية تكنولوجية” جديدة فالدولة التي تشترى منظومة دفاع جوي متطورة من دولة ما، تربط نفسها بعمق بسلسلة إمدادها التدريبية والصيانة والاستخباراتية لسنوات، مما يخلق تقارباً استراتيجياً يتجاوز الصفقة العسكرية العابرة نرى هذا جلياً في التقارب الإماراتي-الكوري الجنوبي في مجال الصناعات الدفاعية المتطورة، أو التعاون السعودي-الصيني في تكنولوجيا الطائرات المسيرة، أو العلاقات العسكرية المتنامية بين قطر وتركيا هذه المحاور ليست بالضرورة معادية لأمريكا، لكنها تظهر رغبة في تنويع مصادر التسلح وتقليل مخاطر أي عقوبات أو شروط سياسية قد تفرضها قوة عظمى واحدة إنها لعبة تحرر استراتيجي تمنح دول المنطقة هامشاً أكبر للمناورة السياسية، وتجبرها في الوقت نفسه على تحمل مسؤولية أمنها بالكامل.

ولكن هذا المشهد من “الاعتماد على الذات” يحمل تناقضاً عميقاً؛ فهو يُضعف من فكرة التحالفات الدفاعية الجماعية التقليدية التي كان يحكمها قائد واضح، بينما يخلق في الوقت نفسه حاجة ماسة إلى تعاون إقليمي جديد لمجابهة تهديدات لا تحترم الحدود فالتهديدات السيبرانية، وهجمات الطائرات المسيرة، وتجارة الأسلحة غير المشروعة، كلها عابرة للحدود وتتطلب تنسيقاً استخباراتياً وأمنياً وثيقاً بين دول قد تكون على خلاف سياسي هذا يدفع إلى تحالفات وظيفية ومحدودة، قد تشترك فيها إسرائيل ودول خليجية في مواجهة التهديد الإيراني، أو تتعاون فيها مصر والسعودية والأردن في تأمين الحدود الجنوبية يصبح التحالف ليس التزاماً شاملاً، بل “اشتراكاً انتقائياً” في خدمات أمنية محددة

وبالتالي، فإن الإجابة هي نعم، ولكن بشكل معقد استراتيجيات الدفاع الجديدة لا تلغي التحالفات، بل تعيد تشكيلها من الداخل فهي تحولها من تحالفات أيديولوجية أو دفاعية كلاسيكية، إلى شبكات مرنة من المصالح الأمنية والتكنولوجية المتقاطعة المستقبل لن يحمل حلفاً شاملاً مثل الناتو في الشرق الأوسط، بل سيحمل مشهداً من “التحالفات السائلة”، حيث تتغير التحالفات وتتداخل حسب نوع التهديد والقدرات المتاحة ستستمر العلاقة مع القوى العظمى، لكنها ستكون علاقة شراكة بين طرفين أقوى وأكثر استقلالية، مما قد يجعل المنطقة أقل استقراراً في المدى القصير بسبب تنامي القدرات العسكرية المتباينة، ولكنه قد يدفع في المدى الطويل نحو نظام أمني إقليمي أكثر توازناً، وإن كان أكثر تعقيداً وتقلباً، قائماً على توازن القوى المحلية أكثر من كونه امتداداً لصراعات القوى الكبرى إنه تحول من كون المنطقة ساحة لصراعات الآخرين، إلى أن تصبح فاعلاً أمنياً مستقلاً، يحمل معه مسؤوليات ومخاطر جديدة

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *