بقلم/ محمـــد الدكـــروري
أخي الكريم افعل الخير مهما كان صغيرا، فقيل أنه في أرض بعيدة كان هناك رجل طيب القلب وصاحب أعمال خير كثيرة، كان يسعى دوما لعمل الخير للجميع، وفي أحد الأيام وهو يسير في أحد الطرق لاحظ غصن شجرة ممتدا في وسط الطريق يعترض مرور المارة ويسبب لهم الأذى، وهنا لم يفكر هذا الرجل النبيل في اتهام أحد، ولم يستغرق وقتا للاستفهام عن من الذي ألقى الغصن هنا أو لماذا، بل اتخذ قرارا ينم عن رقي أخلاقه ورأفته وإحساسه بالآخرين، و قرر أن يزيل الغصن ألشوكي من الطريق لكي لا يعاني المارة من أذاه ولا يتعرضون للإزعاج، وبفضل هذا الفعل النبيل حظي هذا الرجل بمكافأة عظيمة وثواب من الله كبير، والعبرة من القصة هي تعلمنا أن نكون رحماء فنبعد الأذى عن الغير إن استطعنا، وأن نتجنب إيذاء الآخرين بأفعالنا، فالخير ينبعث من قلوبنا ويظهر في أفعالنا.
وعن النبي صلي الله عليه وسلم قال ” البر حسن الخلق ” رواه مسلم، ومعني حسن الخلق أي حسن الخلق مع الله، وحسن الخلق مع عباد الله، فأما حسن الخلق مع الله فان تتلقي أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم، وأن لا يكون في نفسك حرج منها ولا تضيق بها ذرعا، فإذا أمرك الله بالصلاة والزكاة والصيام وغيرها فإنك تقابل هذا بصدر منشرح، أما حسن الخلق مع الناس فهو كف الأذى والصبر على الأذى، وطلاقة الوجه وغيره، وعلى الرغم من حُسن خلقه صلى الله عليه وسلم حيث كان يدعو الله بأن يحسّن أخلاقه ويتعوذ من سوء الأخلاق صلى الله عليه وسلم، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت “كان صلى الله عليه وسلم يقول اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي” رواه أحمد، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول “اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق” رواه أبو داود والنسائي.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان” رواه مسلم، وكذلك الإكثار من ذكر الله، فإن ذلك من أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينة القلب، وزوال همه وغمه، قال تعالى ” ألا بذكر الله تطمئن القلوب ” وقد ذكرت كتب الفقه الإسلامي أن الإسلام عندما جاء فقد هذب النفوس، حيث كانت القبائل في الجاهلية كل فرد ينتسب إلى قبيلته، يواليها، ويعادي من أجلها، وينصرها وإن كانت ظالمة، كانت الولاية للقبائل، فلما أسلم هؤلاء تغيرت ولاياتهم، وصارت ولاية الصحابة لله وحده، ولذلك كان أحدهم يدخل في المعركة ضد قبيلته لأن القبيلة كافرة وهو صار في معسكر أهل الإسلام وأهل التوحيد.
ولذلك كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يشدد ويؤكد في مناسبات كثيرة على هذه، على نسف جميع الولايات الأخرى وإبقاء الولاية لله وحده، فينسف قضايا التعصب للعرق والنسب والقبيلة والطائفة، وهذا الحديث مثال على ذلك، حيث روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال غزونا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقد شاب معه أناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعّاب أي بمعني يلعب بالحراب، يجيد اللعب بالحراب، فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا، حتى تداعوا أي تجمعوا واحتشدوا وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، وتحزبت كل طائفة، وكل واحد يقول يا أصحابي يا للمهاجرين، والثاني يقول يا للأنصار، فخرج رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال مابال دعوى الجاهلية، ثم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم دعوها فإنها منتنة.
فكل ولاية لغير الله نتن وقذارة تلطخ التوحيد وتدمره، وتبعثره وتفرقه، دعوها فإنها منتنة، وإن مما يعين العبد علي الرضا بقضاء الله عز وجل هو النظر إلى من هو أسفل منه، كما قال صلى الله عليه وسلم “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم” رواه البخاري ومسلم، فبهذه النظرة يرى أنه يفوق كثيرا من الخلق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله تعالي.


