متابعة: عبد المحسن العثماني
المطرب الذي فرَّ إلى الله.. الحكاية الكاملة لـ (طه الفشني) سلطان المبتهلين الذي غنى في عرس الملك وزلزل القصور بصوته الرخامي!”
هل سمعت عن صوتٍ كان يجمع بين “طرب القصور” و”روحانية المآذن”؟ نحن لا نتحدث عن مجرد منشد، بل عن “القيثارة التي لم تصدأ” التي جعلت الملك فاروق يستدعيه بالاسم، وأجبرت أم كلثوم على الإنصات له بذهول. إنه الشيخ طه الفشني (1900 – 1971).. الرجل الذي بدأ حياته “مطرباً” واختتمها “سلطاناً” لعرش التلاوة والابتهال.
- “الهارب من الأسطوانات”: المطرب الذي اختاره القرآن!
في بداياته بالقاهرة، تلقته شركة أسطوانات يونانية وأنتجت له أغاني عاطفية، بل وشارك كـ “مطرب” بجانب أم كلثوم وعبد الوهاب في إحياء حفل زفاف الملك فاروق! لكن “النزعة الدينية” في دمه كانت أقوى؛ فمزق ثوب الغناء، والتحق ببطانة الشيخ علي محمود، ليتحول من “مطرب العصر” إلى “مؤذن الحسين الأول”.
- “صدفة الحسين”: عندما طارده مدير الإذاعة في ليلة رمضانية!
لم يكن الفشني يلهث وراء الشهرة، بل هي التي طاردته. كان يحيي ليلة في مسجد الإسين، فاستمعه “سعيد لطفي” مدير الإذاعة المصرية بالصدفة، فذهل من “حلاوة الطبقات” وعرض عليه الالتحاق فوراً. اجتاز الاختبارات بصورة أسطورية، ليصبح القارئ الذي افتتح إرسال التلفزيون المصري وصاحب الـ 286 تسجيلاً قرآنياً خالداً.
- “سفير السماء”: القارئ الذي أبكى قصور عابدين ورأس التين!
لمدة 9 سنوات كاملة، كان الفشني هو “صوت القصور الملكية” بصحبة الشيخ مصطفى إسماعيل. لم يكن يقرأ فحسب، بل كان يسكب “النور” في تلاواته. اشتهر بتواشيح هزت وجدان الأمة مثل “يا أيها المختار” و “ميلاد طه”، حتى اختير رئيساً لرابطة القراء عام 1962، ليصبح القائد الرسمي لجيش التلاوة.
4.موقف إنساني”: تواضعه رغم “اللقب الملكي”
رغماً عن كونه “مقرئ القصور الملكية” لـ 9 سنوات، إلا أنه كان يُعرف عنه أنه إذا دُعي للقراءة في “مأتم” بسيط لفقير، كان يذهب ويقرأ بنفس الحماس والخشوع الذي يقرأ به في قصر عابدين. كان يقول: “حامل القرآن خادمٌ للجميع، وكلام الله لا يُفرّق بين القصور والقبور”
- “النهاية الصادمة”: دواء خاطئ ينهي حياة السلطان!
في مشهد درامي، رحل الشيخ الفشني في 10 ديسمبر 1971 بسبب “خطأ دوائي”. دواء لسيولة الدم لم يتبعه تحليل دوري، تسبب في وعكة مفاجئة. رفض الشيخ الذهاب للمستشفى وفضل أن يموت في بيته، وبينما كان الأطباء يحاولون إنقاذه بنقل الدم في منزله، فاضت روحه إلى بارئها في السادسة صباحاً، لتفقد الأمة “أوفى حنجرة” عرفتها المآذن.
- “إرث لا يفنى”: 14 ساعة من العشق الإلهي
ترك الفشني خلفه كنزاً لم يتركه أحد غيره: 14 ساعة من التواشيح والابتهالات التي تعتبر “دستور الإنشاد” في العالم الإسلامي. كانت آخر محطاته في السودان، حيث أحيى ليالي رمضان الأخيرة له، وكأن الله أراد أن يودع محبيه في كل مكان قبل الرحيل.
- هل كنت تعلم؟
أن الشيخ طه الفشني هو أول من قرأ سورة الكهف بانتظام في مسجد السيدة سكينة؟ وأنه كان يتمتع بـ “إحساس” فطري جعله يقرأ القرآن بمقامات موسيقية لم يسبقه إليها أحد، مع الحفاظ الكامل على وقار الآية.
رحل الفشني، وبقيت (يا أيها المختار) تتردد في جنبات الكون.. هو الرجل الذي ترك الدنيا بمغرياتها، ليكون صوتاً للسماء.”
تحياتي الإعلامي عبد المحسن العثماني


