بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وكان أحوال الصالحين مع الوقت أنهم يحاسبون أنفسهم على ساعات يومهم، فقال ابن مسعود رضي الله عنه “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي” وقيل لكرز بن وبرة وكان من العبّاد الكبار “اجلس معنا قال احبسوا الشمس وأنا أجلس معكم من يمسك الشمس وهي تذهب في فناء الأعمار، وإختصار الأوقات لأنها لن تعود مرة ثانية” فكانت أوقاتهم عامرة بصور العبادة التي من أجلها خلقوا، وقال موسى بن إسماعيل التبوذكي “لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا لصدقت، كان مشغولا، إما أن يحدث، أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، قد قسّم النهار على ذلك” قل لي بالله عليك، ما تظن أن يموت عليه هذا الرجل؟ قالوا “من عاش على شيء مات عليه” وقال يونس المؤدب.
“مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد” واعلموا يرحمكم الله إن من بكى من خشية الله لم يلج النار، ولم تمس النار عينيه حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يلج النار رجل بكى من خشية الله” رواه الترمذي، وكما قال علية الصلاة والسلام “عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله” رواه الترمذي، ومن خاف الله تعالي بادر إلى عمل الطاعات، وإجتناب المنكرات حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة” رواه الترمذي، ومن خاف الله فرج الله له، وأخرجه من الضائقات، ونجاه من الكروب، فالثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، ولم يستطيعوا الخروج منه، قال بعضهم لبعض لن ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فأحدهم ذكر أنه راود ابنة عم له عن نفسها بمائة دينار.
فأبت، ثم إنها ألمّت بها لائمة، فجاءت إليها ومكنته من نفسها، فلما قعد بين رجليها، قالت له اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال فقمت عنها، وتركت لها المائة دينار، فإن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا، وهذا عمر رضي الله عنه يسمع قوله عز وجل من سورة الطور ” والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواثع ماله من دافع” فيعود مريضا إلى بيته ويعاد شهرا رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء، ولما طعن رضي الله عنه وهو الخليفة الثاني كان ولده عبد الله يرفع خده من الأرض ويضعه على حجره فيقول ضع خدي على التراب عساه يرحمني، ويل أمي إن لم يغفر لي ودخل عليه ابن عباس رضي الله عنه وقال بشرى يا أمير المؤمنين.
صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسنت صحبته، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم حكمت فعدلت، ثم شهادة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول أعد ما قلته، فيعيد ما قال، فيقول عمر رضي الله عنه المغرور من غررتموه، المغرور من غررتموه، وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر، فكيف بنا عباد الله إذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر؟ وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يقف عند القبر ويبكي ويشتد بكاؤه ويقول لو أنني بين الجنة والنار، ولا أدري إلى أيتهما أصير لأحببت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير، وهذا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يروي ما رآه من الصحابة رضي الله عنهم فيقول رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم أري اليوم شيئا يشبههم.
كانوا يصبحون شعثا صفرا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، فوالله لكأني بالقوم باتوا غافلين، فما رئي رضي الله عنه ضاحكا حتى ضربه ابن ملجم، فاللهم أصلح أحوال المسلمين واجعلهم لشريعتك محكمين ولسنة نبيك متبعين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، برحمتك يا عزيز يا غفار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .


