ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، ولكن بم نستثمر أوقاتنا؟ وهو بحفظ كتاب الله تعالى وتعلّمه وتلاوته، وهذا خير ما يستغل به المسلم وقته، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال “خيركم من تعلم القرآن وعلمه ” وأيضا بطلب العلم، فالحاجة إليه أكبر من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويكون بحضور الدروس المهمة، والإستماع والمشاهدة للمحاضرات النافعة، وقراءة الكتب المفيدة ،والكتب الإلكترونية والجوال حجّة في ذلك علينا، وأيضا بأداء فريضة الحج أو عمل عمرة كل يوم لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة” الترمذي، وأيضا بذكر الله تعالى فليس في الأعمال شيء يسع الأوقات كلها مثل الذكر، وهو مجال خصب وسهل لا يكلف المسلم مالا ولا جهدا.
فما أجمل أن يكون قلب المسلم معمورا بذكر مولاه، إن نطق فبذكره، وإن تحرك فبأمره، قال صلى الله عليه وسلم “من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة ” الترمذي، فهذه الأيام مثل المزرعة، فهل يجوز لعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى؟ فالحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فحين رأى رسول الله صلي الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وقد بُقرت بطنه، ومُثل به أشنع تمثيل هو وبعض الصحابة، في غزوة أحد بكى وغضب.
وأقسم أن ينتقم ويُمثل بسبعين منهم إن مكنه الله تعالي منهم، فنزلت الآيات الكريمة في سورة النحل فقال تعالي ” وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ” فآثر النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه الصبر الجميل، وعفوا عما سلف من التمثيل بقتلاهم، فما كان للمؤمنين أن ينزلقوا إلى تلك الهوة العميقة من جرائم الحقد الأسود، ولا أن يجرهم عدوهم إلى مثل هذه الميادين القذرة من التعامل ولو في الحرب، وهكذا لم يرد المسلمون الإساءة القبيحة بمثلها وإن كان المسيئون كفارا، فكيف بنا الآن مع من أخطأوا في حقنا، أو أساءوا إلينا، وربما كانوا أقاربا أو أحبابا أو أصدقاء، فعليكم بالعفو والتسامح، واعلموا يرحمكم الله إن العمل الخيرى والتطوعي في الإسلام من أهم الأعمال شأنه شأن باقي الأمور التي يقوم بها المسلم، لأنه عمل يتقرب به المسلم إلى الله عز وجل وهو جزء من العبادة.
وقد أكثر الله سبحانه وتعالى، من الدعوة إلى الخير، وجعله أحد عناصر الفلاح والفوز، كما أمر سبحانه وتعالى بالدعوة إلى فعل الخيرات إضافة إلى فعله، وإن الله تعالى يوازن بين مباهج الدنيا ومفاتنها، وبين المثل العليا والاتصاف بالمكارم، ويبين أن الفضائل أبقى أثرا، وأعظم ذخرا، وأجدر باهتمام الإنسان، وخير له في الدنيا والآخرة، وإن فعل الخير عنوان للإيمان الصحيح والعقيدة السليمة، والفطرة السليمة تهتدي إلى الخير وتشعر به، لأن الإنسان مفطور على البر والخير، وفعل الخير الزاد الحقيقي الذي ينفع الإنسان في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم، وإن من فضل الله تعالي على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أن جعل لهم مواسم للطاعات تتضاعف فيها الحسنات، وترفع فيها الدرجات، ويغفر فيها كثير من المعاصي والسيئات، فالسعيد من اغتنم هذه الأوقات وتعرض لهذه النفحات.
ومن هذه النفحات العشر الأوائل من ذي الحجة، فعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر، قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء” لهذا حثنا صلى الله عليه وسلم على اغتنام هذه النفحات حيث قال “اطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، فاسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمّن روعاتكم” رواه ابن أبي الدنيا والطبراني.


