
“الطفولة في مواجهة غياب العدالة الإجتماعية”
بقلم راندا ابو النجا
ليست كل المآسي صاخبة… بعضها يمرّ في هدوء، لكنه يترك وراءه أسئلة لا يجوز تجاهلها.
أسئلة مؤجلة خلف كل حكاية موجعة
تمرّ بعض الحكايات الإنسانية علينا مثقلة بالألم، فنشعر بالحزن، نتعاطف، ثم نؤجل الأسئلة الأهم إلى وقت لاحق… وقت قد لا يأتي.
المشكلة ليست في حادثة بعينها، بل في نمط يتكرر؛ حوادث تفتح جراحًا، ثم تُغلق سريعًا دون مراجعة كافية لما وراءها. ومع تكرار المشهد، يصبح من الضروري التوقف أمام الأسباب لا الاكتفاء بالنتائج.
في القضايا التي يكون الأطفال طرفًا فيها، تتجاوز المسؤولية حدود التعاطف. فحماية الطفل مسؤولية تشاركية، تبدأ من الأسرة، ويمتد أثرها إلى المجتمع، وتكتمل بدور المؤسسات المعنية. وأي خلل في هذه السلسلة، مهما بدا بسيطًا، قد يؤدي إلى نتائج موجعة لا يمكن تداركها لاحقًا.
الحديث عن هذه القضايا لا يستهدف الاتهام، بقدر ما يسعى إلى الفهم. فالفهم هو الخطوة الأولى نحو الوقاية. والسؤال الهادئ أحيانًا يكون أكثر تأثيرًا من الغضب، وأكثر قدرة على فتح أبواب الحل، خاصة حين يتعلق الأمر بملفات إنسانية شديدة الحساسية.
ما نحتاجه اليوم ليس تضخيم الوقائع ولا التقليل من شأنها، بل التعامل معها باعتبارها مؤشرات تستدعي المراجعة. فكل مأساة تحمل في تفاصيلها إنذارًا مبكرًا، ولو أُحسن الإصغاء إليه، لكان بالإمكان تجنّب ما هو أسوأ.
الوعي المجتمعي يظل خط الدفاع الأول؛ فالتبليغ المبكر، والانتباه للتغيرات السلوكية، وعدم التطبيع مع الخطأ أو تبريره، كلها أدوات وقائية لا تقل أهمية عن القوانين والإجراءات الرسمية. فالقانون، مهما بلغت قوته، يحتاج إلى مجتمع واعٍ يسانده ويُفعّله.
الإعلام هنا لا يقف في موقع الخصومة، بل في موقع المسؤولية. يسلّط الضوء دون تهويل، ويطرح الأسئلة دون اتهام، ويذكّر بأن تجاهل الألم لا يلغي وجوده، بل يؤجله حتى يعود بشكل أكثر قسوة.
لسنا بحاجة إلى صخب،
ولا إلى صدام،
بل إلى شجاعة هادئة تعترف بأن بعض الأسئلة تأخرت كثيرًا.
فخلف كل حكاية موجعة فرصة للتعلّم،
وخلف كل صمت ثغرة يمكن سدّها،
وخلف كل طفل نخذله مرة… خسارة لا يعوّضها الوقت.
ربما لا نملك منع كل المآسي،
لكننا نملك على الأقل ألا نمرّ عليها مرور العابرين،
وأن نؤمن أن طرح السؤال في وقته
قد يكون أول أشكال الحماية.
بقلم: راندا السيد
صحفية وكاتبة تهتم بالقضايا الإنسان

