مقال

نور يخرج من العتمه


بقلم/نشأت البسيوني

نور يخرج من العتمه يتشكل في قلب الانسان كلما مر بتجربه ظن انها ستكون نهايته لكنها تتحول دون ان يدري الى بدايه جديده تعيد بناء روحه وتكشف له جوانب كان غافلا عنها يسير الانسان في طرق لم يخترها احيانا لكنه يواصل لان التوقف ليس خيارا ولان الحياه لا ترحم من يقف في منتصف الطريق يمشي وهو يحمل جروحه ويخفي تعبه لكنه يدرك داخله ان كل املاكه الحقيقيه هي

صبره وقوته التي لا يراها احد ويتعلم مع الوقت ان النور لا ياتيه من العالم بل ينبع من داخله كلما سقط ثم وقف وكلما انكسر ثم جمع قلبه بيده وكلما خذله الناس ثم رفع روحه دون ان يطلب مساعده احد ويعرف الانسان ان الطريق الطويل الذي يسير فيه ليس لعقابه بل لصقله وان كل عثره تجعله اقوى وكل وجع يجعله اكثر فهما لنفسه وللناس وللمعنى الحقيقي للثبات ويدرك ان

العلاقات تتغير والوجوه تتبدل والمنازل التي سكنها قلبه يوما لم تعد كما كانت وان من يبقى بجانبه وقت الضيق هو الضوء الذي يستحق ان يحمله معه حتى اخر العمر اما الذين رحلوا فلم يتركوا سوى دروس توسع بصيرته وتجعله اكثر صدقا مع نفسه ويحس الانسان ان الاحلام التي تاخرت لم تكن تهرب منه بل كانت تنتظر اللحظه التي يصبح فيها قادرا على حملها وان ما فقده لم يكن

ينتمي له وما تألم لاجله كان يهيئه لشيء اكبر مما فقد وان الايام التي جلس فيها وحده يراجع روحه كانت بدايه لعودته الحقيقيه الى نفسه ويفهم الانسان ان الهدوء الذي كان يبحث عنه في الخارج يسكن داخله وان السلام ليس مكانا بل قرارا يتخذه كل يوم حين يختار ان يحفظ قلبه من الضجيج وان يصغي لما بداخله اكثر مما يصغي لما حوله ويعرف ان الرحيل احيانا شجاعه وان البقاء في

اماكن لم تعد تشبهه خيانه لنفسه وان السير في طريق جديد يحتاج قلبا حيا مستعدا لاستقبال ما لم يعتد عليه ويدرك الانسان ان الله لا يغلق بابا الا ليفتح بداخله طاقه للثبات وان الاقدار التي اخذته من اماكن ظن انها حياته الحقيقيه كانت تمهد له مسارا انقى وانسب لما سيصبح عليه مستقبلا ويكتشف انه كلما ابتعد اكثر عن خوفه اقترب اكثر من ذاته الحقيقيه وكلما فقد ما كان يتمسك به بشده

وجد ما يستحق ان يسكن قلبه دون صراع ويصل الانسان في نهايه طريق طويل من المحاولات والسقوط والقيام الى لحظه يفهم فيها معنى النور الذي خرج من العتمه بداخله ذلك النور الذي لم يصنعه احد ولم يمنحه احد بل صنعه هو من جروحه ومن صبره ومن الليالي التي نام فيها وهو يحاول اقناع قلبه انه قادر على الاستمرار رغم كل شيء ويكبر داخله ايمان هادى يقول له ان الحياه لم تكن

ضده يوما حتى في اشد لحظاتها وجعا وان كل تاخير وكل خساره وكل صدمه كانت على طريقه ليصل الى مكانه الصحيح وان ما كتبه الله كان يحمل خيرا حتى لو غطاه الالم اول الطريق ويصل الانسان الى مرحله يرى فيها نفسه بوضوح ويرى كيف تغير وكيف اشتد وكيف صار يحمل نورا لا يراه الناس لكنه يهديه كلما ضاقت به الدنيا ويقنعه ان العالم مهما كان قاسيا هو مكان للبدايات التي لا

تنتهي وان الروح التي مرت بالعتمه تعرف قيمه النور اكثر من اي
قلب لم يختبر الانكسار وان النور الذي يولد من الداخل هو وحده الذي لا ينطفئ مهما اشتدت عليه الايام ويكبر هذا النور كلما اختار الانسان ان يحافظ على نقاء قلبه وان يضع روحه فوق كل جرح وان يسمع صوته الداخلي اكثر من ضجيج العالم ويتعلم ان
البدايات الحقيقيه لا تحتاج ضوضاء بل تحتاج قلبا يقرر ان يبدأ

مره اخرى دون خوف ودون تردد ويعرف ان الحياه مهما اخذت منه ستمنحه ما يستحقه في الوقت الذي يريده الله لا الوقت الذي يتمناه هو ويدرك ان كل محنه مرت به لم تكن سقوطا بل كانت دفعه ليرى ابعد وليفهم اعمق وليصبح اقوى مما كان عليه في اي وقت سابق ويكمل الانسان رحلته وهو يحمل هذا النور كرفيق لا
يتركه وكقوه تجعله يقف كلما ظن انه لن يستطيع الوقوف مره

اخرى ويواصل السير وهو يعرف ان ما ينتظره ارحب مما فقد وان ما سيأتي اجمل مما ذهب وان النهايات المؤلمه ليست سوى ابواب تؤدي الى بدايات اوسع واشد عمقا وان الروح التي تتعلم من الظلمه كيف تصنع نورها هي الروح التي لا تنكسر

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *