مقال

حين يعود القلب إلى صوته الأول


بقلم/نشأت البسيوني

حين يعود القلب إلى صوته الأول يعود محملا بكل ما مر به من صمت وبكاء مكتوم وصبر فاق قدرته يعود وهو يعرف أن الطريق الطويل الذي قطعه بكل ندوبه وخيباته لم يكن عبثا بل كان رحلة ليفهم نفسه أولا قبل أن يفهم الآخرين رحلة تكشف له أن كل خطوة كان لها مغزى وكل جرح كان يحمل درسا وكل فقد كان طريقا لشيء أنضج وأعمق وحين يعود القلب إلى صوته الأول

يعود إلى تلك البراءة التي كانت ترى العالم كما لو أنه مكان واسع قادر على أن يحتوي أحلامنا كلها يعود إلى دهشته الأولى إلى تلك النظرة التي كانت تلتقط الجمال في التفاصيل الصغيرة التي لم نعد نلتفت إليها وإلى تلك الروح التي كانت تصدق النوايا قبل أن تتعلم كيف تختبرها يعود القلب وهو يعرف أنه تغير لكنه لم يفقد جوهره وأن الزمن رغم قسوته لم يستطع أن ينتزع منه شفافيته

التي ظلت تقاوم كل خيبة ويبدأ القلب في جمع شتات الحكايات التي مرت عليه كأنه يجلس أمام طاولة كبيرة مليئة بأوراق مبعثرة فيعيد ترتيبها بدم هادئ وصبر لم يعد يشبه الصبر الذي عرفه من قبل يلتقط الدروس من بين طيات الألم يلم شظايا الذكريات التي جرحته ويغلق الأبواب التي تركها مفتوحة بانتظار عودة لا تأتي يفهم أخيرا أن بعض الطرق كانت خديعة مؤقتة وأن بعض القلوب

كانت ضيوفا لا يطلب منها البقاء وأن بعض العلاقات لم تكن تستحق أن يقاتل من أجلها بهذا القدر وحين يواجه القلب نفسه يعترف بأنه كان يرهق ذاته في إصلاح ما لا يصلح يمنح فرصا لا يستحقها أصحابها يتمسك بحبال مقطوعة من طرف واحد ويحاول أن يكون المنقذ الوحيد لسفينة تغرق به وحده يعترف أنه تراجع عن حقوقه كثيرا ليحافظ على أشخاص لم يحافظوا عليه

وأنه آذى نفسه حين خاف أن يجرح غيره وأنه انكسر بصمت مرات كثيرة لأنه لم يجد من يسمعه بصدق وفي تلك العودة يدرك القلب أنه لا يحتاج إلى أن يتغير كي يحظى بالحب الحقيقي ولا أن يقلل من نفسه ليبقى في أي علاقة الحب لا يحتاج أقنعة ولا مجاملة دائمة ولا خوفا من أن يكون الإنسان على طبيعته الحب سلام وليس حربا وحين يصل القلب إلى هذه الحقيقة يبدأ في إعادة

رسم حدوده في رفع قيمته أمام ذاته في اختيار نفسه أولا بلا ذنب وهنا ينطلق الصوت القديم من جديد الصوت الذي خفت تحت ثقل السنوات احفظ نفسك ولا تتنازل عن حقك في الراحة يصبح هذا الصوت أوضح أقوى أكثر قدرة على قيادة القلب بدل أن يقوده الألم يصبح القلب أكثر نضجا أمام الخذلان أكثر صمتا أمام الضوضاء وأكثر رحمة بنفسه قبل الآخرين لم يعد يبحث عن

من يفهمه بل يبحث عن من يشعر به لم يعد يريد حضورا كثيرا بل حضورا صادقا لم يعد يحتاج كلمات طويلة بل نية واضحة لم يعد يركض خلف من يبتعد بل يمضي في طريقه بثبات وحين يعود القلب إلى صوته الأول يبدأ في رؤية العالم بعين مختلفة يرى أن بعض العلاقات كانت عبروا لا استقرارا وأن بعض الأشخاص كانوا تجربة لا قدرا وأن البقاء ليس دائما دليل حب وأن الرحيل

ليس دائما خيانة بل أحيانا خلاص يرى أن الأشياء التي فقدها لم تكن كلها خسائر وأن ما جاء بعد الألم لم يكن إلا بداية لحياة أنقى
ويتسع القلب في إدراكه يبدأ في تقييم كل مرحلة من حياته بتفاصيلها الدقيقة يسبر أعماق ذكرياته منذ الطفولة يتذكر كل لحظة فرح وبكاء كل ابتسامة أخفى خلفها ألما كل صمت كان يخفيه خوفا من أن يفهم خطأ يرى نفسه الصغير الذي حلم بلا

حدود ويرى الشخص الذي أصبح بعد سنوات من التجارب والخسارات ويكتشف أنه جمع بين الطفولة والنضج بطريقة فريدة لم يفقد الروح الطفولية رغم مرارة الخبرات ويبدأ القلب في الكتابة الداخلية يسجل كل ما تعلمه كل لحظة شعور كل درس في الحياة ويعيد قراءة هذه المذكرات مرات ومرات فيجد أن نفسه أصبحت أكثر عمقا وأكثر إدراكا لكل تفاصيل الحياة لم يعد يهتم

بالمظاهر أو بالمجاملات بل أصبح أكثر اهتماما بالصدق الداخلي والوفاء لنفسه وحين يتأمل قلبه القديم والقلب الجديد يدرك أن الحياة هي سلسلة من اللحظات المتراصة وكل لحظة تحمل معها درسا أو هدية مخفية وأن كل فرح أو حزن أو خيبة كان جزءا من بناء شخصيته يدرك أن الألم ليس عدوا بل معلما صامتا وأن الحب ليس دائما متبادلا لكنه قيمة تكتسب من القدرة على العطاء

بلا مقابل ويتسع قلبه ليحتوي فكرة التسامح ليس التسامح مع الآخرين فقط بل التسامح مع ذاته التسامح مع أخطائه السابقة مع خياراته التي اعتقد يوما أنها كانت خاطئة ومع كل لحظة تمنى لو عاد بها الزمن يدرك أن كل تجربة كانت ضرورية وكل جرح ساهم في صقل شخصيته وكل فقد كان يمهد الطريق لاكتشاف قيم جديدة في الحياة وحين يعود القلب إلى صوته الأول يكون قد

اجتاز رحلة طويلة من الفهم الذاتي من الصبر من مواجهة الذات من حب النفس قبل الآخرين ويكتشف أن هذه العودة ليست تراجعا بل تقدم على أعمق مستوى تقدم نحو الحرية الداخلية الحقيقية نحو السلام الداخلي نحو الانسجام مع ذاته ومع الحياة من حوله ويستمر القلب في رحلته يخطو بثقة أكبر يرى العالم بعين أكثر صفاء يسمع أصواتا لم يكن يسمعها من قبل يشعر بعمق

المشاعر من دون خوف يحب بلا شروط ويختار من يستحقه بعقل متزن وقلب ناضج وفي كل خطوة يذكر نفسه بصوته الأول ذلك الصوت الذي ظل معه رغم كل شيء ليذكره بأن البقاء صادقا مع النفس هو أعظم إنجاز على الإطلاق وحين يعود القلب إلى صوته الأول يعود كاملا لا مكسورا لا مترددا لا ضائعا يعود وهو يحمل معه كل القوة التي اكتسبها من خيباته كل النقاء الذي لم تفقده

روحه كل الحب الذي ما زال قادرا على منحه وكل الحكمة التي جاء بها الزمن إنه يعود ليعيش الحياة كما يجب أن تعاش بكل صدقها بكل عمقها بكل جمالها وكل لحظة فيها فرصة لإعادة اكتشاف ذاته وصوته الحقيقي وهكذا يظل القلب دائما على اتصال بصوته الأول بصوته الصافي الذي يعرف الطريق إلى السلام الداخلي إلى الفرح الحقيقي إلى الحب العميق وإلى معنى الحياة

الذي طالما بحث عنه في كل شيء حوله ليظل صادقا مع نفسه متوازنا مع الآخرين متألقا في هدوءه ثابتا في قراراته وعاشقا للحياة كما هي بكل تفاصيلها

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *