بقلم/نشأت البسيوني

لم يكن الرجل يعيش حبا عاديا ولا كان يبحث عن تفاصيل تنقذ مساءه من الملل كان يحاول أن يصنع لنفسه حياة جديدة بعدما خذلته الأقدار مرتين مرة حين أحب ومرة حين فقد بقيت روحه معلقة عند امرأة رحلت تاركة في قلبه فجوة أكبر من أن يملأها بشر وأعمق من أن ترممها محاولة صدق حتى وإن جاءت من امرأة تريد له الخير لم يكن ينكر على نفسه حاجته إلى الحنان ولم يكن يخجل
من الرغبة في أن يكون له كتف جديد يتكئ عليه لكنه كان كلما اقترب من الراحة ابتعدت عنه كلما ظن أن قلبه بدأ يتعلم البدايات تذكر النهايات التي فرضت عليه يوم سقط وجه حبيبته القديمة في الغياب وظلت صورتها مسلطة على ذاكرته كالضوء الأخير في غرفة مظلمة بين امرأتين واحدة في الحياة وأخرى في القلب لم يكن الرجل يخون أحدا لكنه كان يخون نفسه كل يوم يجلس أمام
حبيبته الحالية يسمع حديثها يبتسم لما تقول يربت على يدها لكنه في العمق كان يتأمل الفراغ لم تكن هي السبب بل كان الماضي هو الحائط السميك الذي يرتطم به كل شعور جديد كان يجلس معها وفي داخله امرأة أخرى تجلس بينهم دون أن يراها أحد سواه كان يسمع ضحكتها فيأتيه صدى ضحكة أخرى كانت تشبه موسيقى طفولته كانت تلمس يده فيستيقظ فيه شعور قديم يعرف صاحبته
ويتألم كان يحاول أن يحبها لكنه كان يحب غيرها رغما عنه وعندما ترتفع درجة الصراحة في نفسه كان يعترف بأن قلبه لم يعد حرا لا للحياة الجديدة ولا حتى للميتة التي غابت بل أصبح القلب متعبا من الدوران بين الشكوى والحنين امرأة تشعر بأنها لا تكفي لم تكن المرأة الجديدة جاهلة بما يحدث كانت تراه دون أن ينطق ترى الشرود في عينيه حين تضحك وترى الصمت حين تقترب وترى أنه
يحاول أن يحبها لكنه لا يستطيع أن يعيش معها كما عاش مع التي رحلت كانت تدرك أنها تقف في مواجهة ذكرى وأنها تقاتل شبحا لا لحم له ولا صوت لكنه أقوى منها وأبقى ومع ذلك بقيت ليس لأنها ضعيفة بل لأنها شعرت أنه رجل يستحق الحب وأن جراحه ليست عارا بل شرفا لإنسان أحب بصدق ودفع الثمن كاملا كانت تحاول أن تعيد ترتيب حياته أن تفتح في صدره نافذة جديدة تدخل منها
الشمس لكنها كلما فتحت نافذة أغلق الماضي نافذتين رجل لا يعرف أين يضع قلبه كان يدرك أنه يؤذيها دون قصد وأنها تستحق رجلا حاضرا بكامل قلبه لا بنصفه لكنه أيضا لم يكن قادرا على أن يمنح ما لم يعد يملكه كان يمشي في منتصف الطريق لا يستطيع أن يعود إلى المرأة التي رحلت لأن القدر اختار له النهاية ولا يستطيع أن يتقدم نحو المرأة التي معه لأن قلبه مرتبط بباب لم يعد خلفه أحد
والمؤلم أن الرجل حين يفقد امرأة أحبها بصدق لا يعود يبحث عن بديلة بل يبحث عن السبب الذي جعله يخسرها الليل حين يتكلم الماضي دون استئذان في الليل كان الماضي ينتصر دائما حين يسكن كل شيء وحين تتساوى الأصوات وحين يصير العالم مجرد صدى بعيد يظهر وجهها الراحل بوضوح يوجع الروح كان يسمع صوتها وهو يغمض عينيه ويشم رائحتها كأنها تعبر بجانبه كان
يشعر بنقص لا يشرحه كلام نقص الإنسان الذي تعود على حضور معين على نفس معين على تفاصيل محددة لا تتكرر في أي جسد آخر قد يعيش الإنسان عمرا كاملا مع شخص جديد لكن تفاصيل روح واحدة قد تظل أقوى وأشد عنادا من الزمن هل الحب الثاني خيانة لم تكن مشكلته أنه لا يريد الحب الجديد بل أن الحب الجديد جاء في توقيت كان قلبه فيه بحاجة للراحة لا للتجربة لم يكن
يشعر أنه يخون الراحلة بل كان يشعر أنه يخون المرأة الحية التي تنتظره كان يتساءل في داخله هل الحب يفرض هل يصنع هل يستطيع الإنسان أن يحب بأمر عقله لا القلب ليس آلة تعاد برمجتها حين يصبح القرب نوعا من الوجع كلما اقتربت منه المرأة الجديدة أحس بثقل أكبر كان يريد أن يمنحها كتفا قويا وقلبا يحتويها وروحا تثق أنها ليست مؤقتة لكنه كان في كل محاولة يشعر أن
الزمن يشده للخلف كان يخاف أن يظلمها ويخاف أن يخسرها وفي الوقت نفسه يخاف أن يتخلى عن آخر خيط يربطه بذكرى الراحلة كان يحارب حربين في وقت واحد أن يبقى رجلا وأن يبقى وفيا وأن يبقى قادرا على أن يعيش دون أن يخون قلبه النهاية التي لم يتخذها أحد لم يفترقا لم يقتربا بقيا معا في علاقة معلقة طرفها الأول يحب بقدر استطاعته وطرفها الثاني يحب بقدر الألم الذي
يسكنه كانا يتكلمان كثيرا لكن الحقيقة الوحيدة التي لم تقال بينهما هي أن الحب حين يعود بعد الفقد لا يعود حبا بل محاولة شجاعة للعيش رغم الوجع ما أراده الرجل حقا لم يكن يريد امرأة تشبه الراحلة ولا يريد أن يستعيد الحب الأول ولا حتى يريد أن ينساه كان يريد شيئا واحدا أن يجد سلاما يوقف هذا الصراع الداخلي أن يستطيع أن يضع الماضي في مكانه دون أن ينكره وأن يفتح بابا
جديدا دون أن يشعر أنه يطعن ذكرى أحد كان يريد أن يحب دون خوف ودون مقارنات ودون أن يسمع صوتا داخليا يذكره أنه فقد شيئا لن يعود ومع ذلك كان يحب نعم كان يحب لكن على طريقته بحذر ببطء بخجل من نفسه ومن الماضي ومن الحاضر كان يحبها لأنها صبرت لأنها رأت ضعفه ولم تهرب ولأنها ظلت تمد له يدها كلما سقط وكان يشعر أحيانا أن هذه المرأة رغم كل شيء قد تنجح يوما
في أن تعيد ترتيبه من جديد ليس لأنها تشبه التي رحلت ولكن لأنها
لا تشبه أحدا قلب يبحث عن وطن في نهاية كل يوم كان يعود إلى نفسه يجلس وحده يتأمل أيامه ويدرك أن الإنسان لا يشفيه الزمن بل تشفيه النوايا الصادقة كان يعرف أن قلبه لن يعود كما كان وأن الحب الأول لا يتكرر وأن الراحلة ستظل جزءا من روحه لكن هذا لا يعني أن الحياة توقفت عند قبر مغلق فربما ربما يستطيع يوما أن يمنح المرأة التي معه حبا يشبه المطر لا يشبه أحدا ولا يعيد أحدا لكنه يحيي ما مات فيه وربما حين تنضج جراحه يكتشف أن الراحة التي بحث عنها في الماضي كانت تنتظره في الحاضر

