
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله ذي الجلال والإكرام حي لا يموت قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الحليم العظيم الملك العلام، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام والداعي إلى دار السلام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، ثم أما بعد ذكرت المصادر الكثير عن الحرب والسلام وأن هناك بين الحرب والسلام فرق شاسع وإختلاف كبير، فالحرب خراب ودمار وموت ومآسي، والسلام حياة وبناء وفرح، والحرب والسلام هي ملحمة ضخمة، تحكي أحداثا ذات مستويات مختلفة من الحياة الخاصة لكثير من العائلات، ومعارك عام ألف وثماني مائة وإثني عشر ميلادي، إلى حركة الشعوب والتاريخ بشكل عام، بفضل حجم العمل الضخم، ودقة الملاحظات النفسية وتنوعها، تظل ملحمة الكاتب تولستوي في الذاكرة الثقافية بوصفها من أشهر الروايات الروسية.
وبفضل حجم الرواية وأسلوب الراوي العليم، تدخل تولستوي في أصغر التفاصيل المتعلقة بنفسية أبطاله، وحلل سلوكهم الذي لا يمكن التنبؤ به دائما ما يجعلنا ندرك ما تعنيه أفكارهم السرية، وتعبيرات وجوههم وإيماءاتهم، وبالصوت نفسه يتحدث عن التاريخ، ويعدّل ما قاله المؤرخون ويفسر الأحداث الحربية تبعا لرؤيته، فهو ينتقل من وصف الأحداث التاريخية إلى تحليل أسبابها، وفي أثناء عمله في الحرب والسلام، وإستخدم تولستوي مصادر مختلفة، أهمها كتابات المؤرخين عن عام ألف وثماني واثني عشر ميلادي التي عارض تولستوي أفكارها كثيرا، ومن مذكرات النبلاء الروس والأجانب في أوائل القرن التاسع عشر، ومن تراث المجتمع الروسي من عادات العائلات الكبيرة وتقاليدها للتشبه بالمجتمع الأوروبي، وظهر هذا جليا في الحفلات الراقصة.
والصالونات الإجتماعية التي ظهرت في كل أجزاء العمل، أما الحرب فلا يمكننا تجاهل أن تولستوي نفسه إشترك في حرب القرم، وكانت لديه خبرة في ميدان القتال ساعدته على نقل الجو العام للمعارك العسكرية، والفوضى في ميادين القتال، وتغطي الحرب والسلام فترة زمنية طويلة، وكثيرا من الحوادث التاريخية، بما في ذلك وصف العمليات العسكرية، وأيضا الحياة اليومية للشخصيات الرئيسة، وتبدأ الرواية بوصف الوضع في الأوساط الأرستقراطية، وتحكي أيضا خلفية عدد من العائلات التي تضطلع بدور مهم مثل عائلة بيزخوف وعائلة روستوف، وعائلة بولكونسكي، ثم تنتقل لوصف الأحداث العسكرية، ومنها معركة أوسترليتز، ثم يصف الكاتب التطورات التي أدت إلى إعلان الحرب على روسيا والمعارك الأولى وإستيلاء الفرنسيين على موسكو.
ثم إنسحاب نابليون لاحقا، وتصف الرواية تأثير الأحداث العسكرية في مصير الشخصيات الرئيسة، بما في ذلك آل روستوف، وبولكونسكي، وغيرهم، وكما تتناول الرواية الحب والعلاقات الأسرية وتناقش قضايا الإيمان، والمصير والحرية والمسؤولية الإنسانية، وتنتهي الرواية بخاتمة تحدد فيها مصاير الشخصيات الرئيسة، وتعطي إستنتاجا عاما عن الأحداث التي مرت بها وتأثيرها في المجتمع والأفراد، وتنتهي رواية الحرب والسلام بخاتمتين في الأولى تجتمع الشخصيات الرئيسة في سانت بطرسبورغ في عشرينيات القرن التاسع عشر، حيث تخطت الشخصيات الحرب، وتسعى إلى بدء حياة جديدة، تتزوج وتبني بيوتا جديدة، وتعود إلى أعمالها وتفكر كيف أثر الماضي في حياتها الحالية، وفي الخاتمة الثانية نرى آراء الراوي عن التاريخ والمؤرخين والسلطة والحرية.
وتعبر الخاتمة عن أفكار المؤلف بشأن الحركة الأبدية للتاريخ والحياة والموت، وهي ملأى بالتناقضات الحيوية، واللحظات الدقيقة للعلاقات الإنسانية، بشكل عام لا تنتهي رواية الحرب والسلام بخاتمة نهائية، بقدر ما تنتهي بتأملات فلسفية عن الحياة والمصير والزمن.

