
بقلم: سهام محمد راضي
المسرح هو فن الحياة، وسجن النسا على خشبة مسرح السلام أثبت أن الفن الحقيقي لا يشيخ ولا يفقد قدرته على لمس القلوب. العرض لم يكن مجرد دراما عن السجن، بل كان حالة وجدانية تحولت فيها الخشبة إلى مرآة عاكسة لصرخات النساء ومعاناتهن في مجتمع يظلمهن أحيانًا باسم العادات، وأحيانًا أخرى باسم الحب.

تفاصيل تُكتب بحروف من نور
الديكور – محمود صلاح (بيرو): زنازين تحاكي الواقع، وجدران تبوح بأسرار، جعلت المسرح نفسه يتحول إلى سجن مفتوح يعيش فيه المتفرج مع أبطاله.

الأزياء – سارة شكري: بدقة متناهية رسمت كل شخصية على جسدها، لتصبح الملابس امتدادًا للوجع والحياة اليومية.
الإضاءة – محمود الحسيني (كاجو): ضوء يسقط مثل قنديل أمل أحيانًا، وظل يطبق على القلوب أحيانًا أخرى؛ كأنه شاهد على كل صرخة ألم.
الألحان – محمد عزت: موسيقى كُتبت بالوجدان قبل النوتة، صنعت جسرًا بين الكلمة والعاطفة.
الأشعار – أحمد الشريف: أبيات مشحونة بالشجن، تخرج من القلب لتستقر في الضمير.
الاستعراضات – محمد بيلا: لم تكن مجرد حركات جسدية، بل لوحات مرسومة بالعرق والألم والتمرد.
الغناء الثنائي – فريدة حماد ورماج: صوتان من وراء الستار، وكأنهما ضمير جماعي يهمس من بعيد: “لسنا وحدنا في هذا السجن”.
الإخراج – يوسف مراد منير: جمع بين البساطة والعمق، وأدار خشبة المسرح كعازف أوركسترا، يمنح لكل نغمة مكانها.
أبطال يصرخون بالحق
وقف على الخشبة: هايدي عبدالخالق، هنادي عبدالخالق، شريهان الشاذلي، نشوى حسن، آية أبو زيد، راندا جمال، صافي فهمي، ليلة مجدي، دعاء الزيدي، ليلى مراد، جنى عطوة، إيريني مجدي، ولاء الجندي، ومع إكرامي وزيري.
ولأن الفن ليس صوتًا واحدًا، جاءت هبة سليمان لتضيف بالغناء والأداء تمردًا خاصًا، صوتها كأنه جرح مفتوح يداوي نفسه بالغناء.
رسائل بين السطور
سجن النسا قال ما عجز الكثيرون عن قوله:
أن المرأة لا تُقاس بخطأ عابر، بل بإنسانيتها التي لا تسجن.
أن الأمومة حق لا يجوز انتزاعه بحجة العقاب.
أن الخيانة حين تأتي من أقرب الناس تُصبح أقسى من السجن.
أن التضحيات التي تقدمها النساء لمن لا يستحقون تتحول إلى جروح متجددة.
إنها مسرحية لم تُجسّد مأساة نساء فقط، بل كشفت مأساة مجتمع يتغافل عن وجعه الداخلي.
حضور يصنع الفارق
الخشبة لم تكن وحدها بطلة، بل القاعة كلها.
حضور الفنان محسن منصور مدير المسرح الحديث كان علامة على أن الفن الراقي يجد دائمًا من يحميه ويشجعه.
وكان من بين الحضور أيضًا المخرج الشاب أحمد شمس، الذي يعيش مع الجمهور منذ تجربته المميزة عايش إكلينيكيا، تلك المسرحية التي لم تُعرض فقط بل عاشت بداخل الناس وأثارت استفساراتهم وأسئلتهم. حضوره هنا لم يكن بروتوكوليًا، بل دعمًا صادقًا لشباب المسرح.
في الختام
سجن النسا ليس مجرد نص مسرحي، بل وثيقة إنسانية كُتبت على الخشبة، تُحاكم بها الضمائر قبل أن تحاكم النساء.
إنه عمل يقول للعالم: الفن ما زال قادرًا على أن يغيّر ويوقظ ويُداوي.