مقال

8فى حضرة الصيام


الصيام والتوبة: رحلةُ تطهيرِ النفسِ والعودةِ إلى الفطرةِ الأولى
سلسلة مقالات رمضانية
بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس
استهلال: رمضان.. ولادةٌ ثانية للروح
ليس الصيام في حقيقته مجرد امتناعٍ آليّ عن الطعام والشراب، بل هو “محرابٌ كوني” شُيّد لإعادة بناء الإنسان وتطهير روحه من شوائب الحياة المادية. في هذا الشهر الكريم، تنفتح أمامنا آفاقٌ واسعة للتأمل في مسارات حياتنا؛ فرمضان هو الفرصة الذهبية لمراجعة سجلات أعمالنا، وتنقية أنفسنا مما علق بها من أخطاء وغفلة. إنه الميقات الروحي الذي نغسل فيه أرواحنا، لنعود إلى الله بتوبةٍ صادقة تذيب الهموم وتمحو الخطايا.
أولاً: نداءُ الفلاح.. التوبةُ ميثاقُ العودة


إن التوبة هي استعادة الإنسان لنقائه الفطري الذي حجبه غبار الآثام، وهي الشجاعة في الاعتراف بأن الكمال لله وحده، وأن الخطأ طبيعة بشرية يمكن إصلاحها. وقد جعل الله “الفلاح” مشروطاً بهذا الرجوع الصادق إليه، حيث قال في كتابه الكريم:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: 31).


تأمل كيف نادى الله “المؤمنين” جميعاً للتوبة، فمهما عظمت ذنوبهم، يظل باب الرجاء موارباً، إذ يقول تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53). ولم يكتفِ الحق بالدعوة، بل أمر بالمسارعة والعودة العاجلة فقال: {وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} (الزمر: 54). فالتوبة هنا هي ترقيةٌ للصائمين ليرتقوا من صيام الأبدان إلى صيام القلوب، ليعيد رمضان للإنسان صفاءه وكأنه يبدأ حياته من جديد، مصداقاً لقول النبي ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (رواه ابن ماجه).


ثانياً: أركانُ التوبة.. هندسةُ التغيير الداخلي
التوبة في مدرستنا ليست مجرد كلمة تقال، بل هي بناءٌ يقوم على أربعة أركان متينة:
الإقرار بالذنب: وهو ذروة الصدق مع النفس؛ فمن لم يعترف بمرضه لن يبحث عن علاج. الإقرار هو خلع رداء الغرور والاعتراف بالتقصير أمام الخالق.
الندم الصادق: وهو شعور القلب بالأسف على ما فات. الندم هو المحرك الذي يحوّل الألم الروحي إلى طاقة تطهير، وهو الركن الذي قال عنه النبي ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» (رواه ابن ماجه وأحمد).
الإقلاع الفوري: وهو التوقف التام عن الخطأ؛ فلا تصح التوبة مع استمرار الذنب، فالتوقف هو الدليل العملي على صدق الإرادة.


العزم على عدم العودة: وهو القرار الحازم بعدم الرجوع للخطأ أبداً. إنه عهدٌ غليظ يقطعه الصائم على نفسه بأن يحافظ على طهارة ثوبه بعد رحيل رمضان.
ثالثاً: رمضان والقرآن.. الوقت الأنسب للتغيير
لماذا يُعد رمضان الوقت الأفضل للتوبة؟ لأن الصيام يكسر حدة النفس ويجعلها أكثر لِيناً وتواضعاً، ولأن القرآن في ليالي رمضان يفتح مغاليق القلوب. القرآن هو البوصلة التي تكشف لنا عيوبنا بوضوح؛ فبينما تقرأ آيات الوعيد والرحمة، تدرك مواطن الخلل في سلوكك. القرآن يمنحك القوة لتمييز الحق من الباطل، ويحول التوبة من مجرد رغبة إلى “خطة عمل” حقيقية تصلح النفس والعمل.
رابعاً: معيناتُ الاستمرار.. كيف نحرسُ توبتنا؟
التحدي الحقيقي ليس في التوبة خلال رمضان، بل في الثبات عليها بعد رحيله. ولكي يحافظ الصائم على هذا النقاء، عليه بمجموعة من “الروافع الإيمانية”:
البيئة والذكر: اختيار الصحبة الصالحة التي تسقيك بالقدوة، والمداومة على الذكر؛ فالتائب كالنبتة يحتاج لبيئة طيبة، والذكر هو الحصن الذي يمنع صدأ القلب من العودة.
صيام التطوع والصدقة: الصيام بعد رمضان يحافظ على “حرارة الإيمان” ويذم الشهوات، والصدقة تطفئ الخطيئة وتطهر المال والنفس، وهي برهانٌ عملي على صحة التوبة.
مداومة القرآن: أن يظل المصحف رفيقاً يومياً؛ فالهجر بعد رمضان هو بداية الانتكاسة، والقرآن هو النور الذي يضيء طريق التائب في عتمة الفتن.
زيارة المرضى والمقابر (فلسفة الاعتبار): في زيارة المريض تدرك قيمة العافية التي تنفقها في طاعة الله، وفي زيارة المقابر تذكرةٌ بالنهاية الحتمية. فلسفة ذلك أن “رؤية المآل” تكسر حدة الطموح الدنيوي الزائف، وتجعل التائب يدرك أن العمر قصير، فلا مجال لتضييعه في عودةٍ لذنبٍ قديم. إنها دروسٌ في “الزهد الواعي” الذي يحمي التوبة من التآكل.
استشعار حلاوة القرب: من ذاق طعم السكينة في صلاته وصيامه، سيصعب عليه العودة لذل المعصية.
الخاتمة: رمضان.. نقطةُ انطلاقٍ جديدة
إن التوبة هي الجوهر الحقيقي لمعنى الصيام؛ فامتناعك عن الطعام لا يكتمل إلا بتطهير قلبك من الحقد، ولسانك من الزور. الصائم الحق هو من يخرج من هذا الشهر وقد استعاد توازنه الأخلاقي، مسلحاً بحكمة التائبين وصفاء العارفين. لقد فُتح باب التوبة في رمضان ليكون بداية لحياة أفضل؛ فمن نال عفو الله بصدق رجوعه، استحق أن يحمل أنوار رمضان ليضيء بها بقية شهور العام، واثقاً في رحمة الله التي وسعت كل شيء.
تأمل
قِف مع نفسك في سكون الليل: هل كان صيامك مجرد “جوعٍ” للجسد، أم “ثورةً” وجدانية لتغيير ما بنفسك؟ هل استشعرت تلك السكينة العميقة التي تغمر روحك حين تضع أوزارك بباب الغفور الرحيم؟


السؤال
هل جعلت من رمضان جسراً تعبر به نحو حياة أنقى، أم أنك تنتظر رحيله لتعود لعاداتك القديمة؟
وكيف ستحمي “نور توبتك” بملازمة المقابر وعيادة المرضى وصالح الأعمال حين ينقضي الشهر الفضيل؟

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *