بقلم: الأديب المفكر
د كامل عبد القوى النحاس
المقال الرابع
الصيام والقرآن.. ثنائية الهداية وزكاة النفس
لا يمكن للناظر في فلسفة التشريع الإسلامي أن يغفل تلك الرابطة الوجودية والزمنية الوثيقة بين شهر رمضان والقرآن الكريم.
فهذا الشهر لم يكتسب شرفه ومكانته الاستثنائية إلا لكونه الوعاء الزمني الذي اختاره الله ليتنزل فيه الوحي الخاتم على قلب النبي ﷺ.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
إن تقديم ذكر إنزال القرآن على ذكر فريضة الصيام في الآية الكريمة يحمل دلالة عميقة،
فالصيام ليس مجرد تكليفٍ تعبدي، بل هو تهيئة نفسية وجسدية تجعل القلب قابلاً لاستقبال أنوار القرآن.
رمضان شهر الاحتفاء بالقرآن، والصيام هو آلية هذا الاحتفاء، وجسر العبور من ظاهر العبادة إلى باطنها.
التلازم الروحي بين الصيام والقرآن
حين يمتنع الصائم عن شهواته المباحة، فإنه لا يقمع جسده، بل يخفف وطأة الطبع المادي فيه، فتتراجع ضوضاء الغريزة، وتفسح المجال لصفاء الروح.
في هذه الحالة من الصفاء الذهني والجوع العبادي، يصبح القرآن أكثر نفاذاً إلى القلب، وأعمق أثراً في الوجدان.
فالقرآن روح، والصيام طهارة، وإذا اجتمعت الروح مع الطهارة اكتمل الاستعداد للتحول.
ليس تحول معرفة فحسب، بل تحول شخصية.
لقد أدرك السلف الصالح هذا التلازم إدراكاً عملياً؛ فكان الإمام مالك – رحمه الله – إذا دخل رمضان ترك مجالس الحديث والفتيا، وأقبل على المصحف قائلاً: “إنما هو شهر القرآن وإطعام الطعام”.
لم يكن ذلك انقطاعاً عن العلم، بل عودة إلى منبعه.
وكأن رمضان محطة إعادة الشحن الروحي عبر النص الإلهي، حيث الصيام يرقق الحجب، والقرآن يخترق القلوب.
التدبر في ظلال الجوع الإرادي
الصيام ليس تمريناً على الحرمان، بل تدريبٌ على اليقظة.
والتدبر في رمضان ليس عملية عقلية باردة، بل تجربة وجدانية حيّة تتشكل في بيئة صفاء مخصوصة.
رفع كفاءة الوعي: حين تخلو المعدة، يصفو الفكر، ويصبح الصائم أكثر قدرة على التقاط الإشارات القرآنية الدقيقة التي قد تضيع في زحام الانشغال المادي.
تحويل النص إلى واقع: التدبر أثناء الصيام يجعل القيم القرآنية – كالصبر والاحتساب – واقعاً معاشاً لا فكرة ذهنية.
فكل دقيقة يصبر فيها الصائم على الجوع هي تجسيد لمعنى الصبر، وكل لحظة يكف فيها لسانه عن لغو القول هي امتثال عملي لنداء القرآن.
التجربة العملية للهداية: القرآن وصف نفسه بأنه هدى للناس، والصيام يهيئ البيئة النفسية لتلقي هذا الهدى،
إذ يكون الإنسان في حالة استسلام واعٍ لأمر الله، وهي الحالة التي تنفتح فيها مغاليق القلب لفيوضات الوحي.
القيم القرآنية في بوتقة الصيام
القرآن الكريم ليس كتاب بركة فحسب، بل كتاب بناء.
وفي رمضان، تتحول هذه القيم من كلمات مسطورة إلى سلوكيات منظورة.
التقوى: وهي الغاية العظمى من الصيام كما في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. والقرآن هو خريطة هذه التقوى، وميزانها، ونورها الكاشف.
الرحمة: حين يشعر الصائم بألم الجوع، يستحضر آيات إطعام المسكين وحق السائل، فتتحرك مشاعر الشفقة، ويتحول الشعور إلى فعل، ويغدو الصيام ترجمة عملية لرحمة القرآن.
ضبط النفس: القرآن ينهى عن الفحش والجهل، والصيام جُنّة، أي وقاية، تمنع الصائم من الانسياق إلى ردود الفعل الغاضبة. فإذا سابه أحد أو شاتمه، كان صومه حارس لسانه، وكان القرآن رقيب خلقه.
شفاعة الصيام والقرآن: ثنائية النجاة
يتجلى التكامل بين الصيام والقرآن في مشهد الآخرة. فقد جاء في الحديث الشريف:
«الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ…»
مشهد بليغ؛ الصيام يقول: منعتُه الطعام والشهوات بالنهار،
والقرآن يقول: منعتُه النوم بالليل. أحدهما رفيق النهار، والآخر أنيس الليل.
إنهما جناحا العبودية المتوازنة، يبني الصيام الإرادة، ويبني القرآن الوعي، ويصنعان معاً درعاً إيمانياً يحوط العبد في دنياه وأخراه.
المنهج العملي لتعامل الصائم مع القرآن
حتى تتحقق هذه الثنائية في واقع الصائم، لا بد من الجمع بين القراءة والتمثل:
تخصيص وقت السحر: حيث السكون، وتكون القراءة أقرب إلى نور القلب وأبعد عن ضجيج العالم.
المزاوجة بين العلم والعمل: كلما مر الصائم بآية أمرٍ، عاهد نفسه على البدء في تطبيقها، ليكون صومه شاهداً على صدق قرآنه.
استشعار المشافهة: أن يقرأ القرآن كأنه خطاب موجه إليه الآن، يبحث فيه عن دواء لقلبه، ونور لخطواته، وإجابة لأسئلته الوجودية.
الخاتمة: الفرحة الكبرى بالتمام والوفاء
الصيام هو المختبر العملي لفهم القرآن.
ومن جمع بين صدق الصوم وصدق التدبر، خرج من رمضان بقلبٍ جديد، وروحٍ صقلتها العبادة، وعقلٍ استنار بالوحي.
قال النبي ﷺ: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه».
فالفرحة الأولى ليست فرحة طعام، بل فرحة إتمام عهدٍ مع الله.
أما الثانية، فهي لحظة اللقاء؛ حيث يجد الصائم صيامه وقرآنه قائمين بين يديه، يشفعان له، ويدلانه على باب الريان… باب من رَوِيَ قلبه بالوحي قبل أن تروى جوارحه بالماء.
هكذا يبدو رمضان رحلةً في أعماق الذات، يقودها القرآن ويحميها الصيام، ليخرج الإنسان منها أكثر قرآنيةً في فكره، وأصدق عبوديةً في سلوكه.
تأمل اليوم الرابع:
“القرآن.. رفيق الجوع الشريف”
حين يبلغ الجوع مداه، وتجف الشفاه، ثم تفتح المصحف… أنت لا تقرأ كلمات، بل تسقي روحك بماء الوحي بينما يُحرم الجسد من ماء الطين.
هذا التضاد هو سر القوة، فكلما ضعف الجسد بالصيام، قويت الروح بالقرآن.
اجعل مصحفك أنيس خلوتك، وصديق جوعك، وميزان يومك.
سؤال اليوم
حين أتممت قراءتك اليوم…
هل شعرت بآية كأنها كُتبت لك وحدك؟
هل مررت بآية عن الصبر فصبرت بها، أو عن الرحمة فلان بها قلبك؟
سل نفسك الليلة:
هل أقرأ القرآن لأختم أجزاؤه فقط، أم لأجعل القرآن يختم على قلبي وسلوكي في هذا الشهر؟

