112 دولة في فيينا.. القرار المصري يعيد ملف الرقابة النووية إلى قلب معادلات الشرق الأوسط

بقلم: هالة المغاوري فيينا
في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للملف النووي في الشرق الأوسط، جاء التصويت داخل المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا ليعيد طرح واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة: هل يمكن الوصول إلى منظومة رقابة نووية إقليمية تقوم على قواعد موحدة، أم أن التباين في الالتزامات والترتيبات الأمنية سيظل عائقًا أمام بناء نظام شامل لعدم الانتشار؟
فقد اعتمد المؤتمر العام للوكالة، في 18 سبتمبر/أيلول 2026، القرار الذي تقدمه مصر بشأن تطبيق ضمانات الوكالة على المنشآت النووية في الشرق الأوسط، وحصل القرار على تأييد 112 دولة، دون تسجيل أي صوت معارض، فيما امتنعت تسع دول عن التصويت. وتربط القاهرة هذا المسار بهدف أوسع يتمثل في تحقيق عالمية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
لكن قراءة هذا التصويت باعتباره مجرد رقم دبلوماسي ستكون قراءة ناقصة. فالمسألة تتجاوز نتيجة التصويت إلى طبيعة النظام النووي الذي تحاول مصر الدفع باتجاهه؛ نظام يقوم على مبدأ أن الرقابة والشفافية وعدم الانتشار ينبغي ألا تتوقف عند حدود التحالفات السياسية أو التوازنات الأمنية، وإنما تستند إلى قواعد قابلة للتطبيق على دول المنطقة بصورة أكثر اتساقًا.
وتكتسب عبارة «دون استثناء» أهمية خاصة في هذا السياق. فالضمانات التي تطبقها الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي آلية للتحقق من عدم تحويل المواد والأنشطة النووية المعلنة عن الاستخدامات السلمية إلى أغراض عسكرية. غير أن تطبيق هذه الضمانات لا يحدث تلقائيًا بمجرد صدور قرار سياسي؛ بل يرتبط بالالتزامات القانونية والاتفاقات التي تكون الدول طرفًا فيها.
وهنا تحديدًا يجب التمييز بين القرار الذي اعتمده المؤتمر العام وبين آثاره العملية. فالقرار لا يعني أن 112 دولة قررت فرض عمليات تفتيش فورية على جميع المنشآت النووية في الشرق الأوسط، كما أنه لا ينشئ بمفرده اتفاق ضمانات جديدًا أو نظام تفتيش موحدًا على جميع دول المنطقة. أهميته تكمن في تثبيت الموقف السياسي الدولي الداعم لتطبيق ضمانات الوكالة بصورة شاملة، وإبقاء قضية إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل ضمن الأجندة الدولية.
وتنظر مصر إلى هذه القضية باعتبارها جزءًا من معادلة أكبر تتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي. فالقاهرة لا تربط دعوتها إلى الرقابة النووية بالتخلي عن الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، بل تؤكد في الوقت نفسه حق الدول في الاستفادة من التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية في إطار معاهدة عدم الانتشار والالتزامات الدولية ذات الصلة. كما تواصل مصر تنفيذ برنامجها النووي المدني، وفي مقدمه مشروع محطة الضبعة، مع تأكيد الالتزام بمعايير الأمان والسلامة النووية.
وهذا يجعل الموقف المصري قائمًا على معادلة دقيقة: الدفاع عن الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية من ناحية، والمطالبة بتطبيق قواعد عدم الانتشار والرقابة الدولية من ناحية أخرى. وهي معادلة تعكس جوهر نظام عدم الانتشار نفسه، الذي يقوم على الجمع بين منع الانتشار العسكري وإتاحة الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية.
غير أن المشكلة في الشرق الأوسط لا تتعلق فقط بالقواعد الدولية، وإنما بالبيئة الأمنية والسياسية التي تعمل داخلها هذه القواعد. وهنا تبرز قضية إسرائيل باعتبارها واحدة من أكثر النقاط تعقيدًا في أي نقاش حول إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في المنطقة. فمعظم دول الشرق الأوسط أطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ولديها اتفاقات ضمانات مع الوكالة، بينما لا تنضم إسرائيل إلى المعاهدة بوصفها دولة غير حائزة للأسلحة النووية.
ومن ثم فإن تحويل المبدأ الذي تؤيده أغلبية كبيرة من أعضاء الوكالة إلى واقع إقليمي يحتاج إلى معالجة سؤال أصعب بكثير: كيف يمكن إقامة نظام رقابة موحد في منطقة لا تزال دولها تختلف حول طبيعة التهديدات الأمنية والالتزامات القانونية المتبادلة؟
وتأتي أهمية التطور الحالي من أن هذا السؤال لم يعد منفصلًا عن التطورات الجارية في عدد من الملفات النووية في المنطقة. فالملف الإيراني، على سبيل المثال، شهد خلال سبتمبر تصعيدًا جديدًا بعد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إحالة قضية عدم امتثال إيران إلى مجلس الأمن الدولي، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ نحو عقدين. وصوّت 23 عضوًا لصالح القرار مقابل ثلاثة أصوات رافضة وثمانية امتناعات، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.
وتقول الوكالة إن هناك قضايا عالقة تتعلق بقدرتها على التحقق من طبيعة بعض المواد والأنشطة النووية الإيرانية، بينما تؤكد طهران أن برنامجها ذو طبيعة سلمية وتنتقد ما تعتبره تسييسًا للملف النووي. وقد أصبح الخلاف بين الطرفين جزءًا من أزمة أوسع حول حدود التفتيش وحق الوكالة في الوصول إلى المنشآت والمواد النووية في ظروف أمنية شديدة التعقيد.
أما سوريا، فتقدم نموذجًا مختلفًا ولكنه لا يقل أهمية. فقد أغلقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر ملف عدم الامتثال السوري بعد تطورات وتعاون مع السلطات السورية الجديدة، في أعقاب سنوات طويلة ظل خلالها الملف مفتوحًا. وكانت الوكالة قد أعلنت سوريا في حالة عدم امتثال لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات عام 2011.
وتزداد أهمية الملف السوري بعدما قال المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إن المنشأة التي كانت سوريا تقترب من إكمالها في دير الزور قبل تدميرها عام 2007 كانت ذات خصائص يمكن أن تسمح بإنتاج مواد انشطارية قابلة للاستخدام في سلاح نووي.
وفي الوقت نفسه، تتحرك دول خليجية باتجاه توسيع برامجها النووية المدنية. وتبرز السعودية بصورة خاصة، بعدما دخل تعاونها النووي المدني مع الولايات المتحدة مرحلة جديدة، بينما تعمل الرياض مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على ترتيبات رقابية أكثر شمولًا تتعلق ببعض الأنشطة النووية الحساسة.
هذه التطورات المتزامنة تكشف عن مفارقة أساسية في الشرق الأوسط: المنطقة تتوسع في الاستثمار في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفي الوقت نفسه تزداد الحاجة إلى آليات رقابة يمكنها أن تمنع تحول التكنولوجيا النووية المدنية إلى مصدر جديد للقلق الأمني.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التحرك المصري بصورة أعمق. فالقاهرة لا تتعامل مع الضمانات باعتبارها مسألة تقنية تخص المفتشين والمنشآت فقط، وإنما باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء قدر من الثقة داخل بيئة إقليمية تعاني أصلًا من انعدام الثقة.
لكن التصويت، مهما كان حجمه، لا يحل هذه المشكلة وحده. فالدعم السياسي الواسع لقرار يدعو إلى تطبيق الضمانات على المنشآت النووية في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة اتفاق الدول المؤيدة له على كيفية التنفيذ، أو على الترتيبات الأمنية التي ينبغي أن تسبق إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية.
وهنا تكمن المسافة بين التوافق على المبدأ والخلاف على التطبيق. فالقرارات التي تؤكد هدف إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط موجودة منذ عقود، بينما ظل تحويلها إلى واقع سياسي وقانوني متعثرًا بسبب النزاعات الإقليمية، والخلافات حول تعريف الأمن، وترتيب الخطوات، وطبيعة الضمانات التي تحتاج إليها الدول قبل التخلي عن بعض قدراتها أو قبول ترتيبات رقابية أكثر صرامة.
ولهذا فإن أهمية تصويت 112 دولة لا ينبغي أن تقاس باعتباره نقطة نهاية، وإنما باعتباره مؤشرًا على أن القضية لا تزال تحظى بمساحة واسعة داخل النظام الدولي لعدم الانتشار.
والخطوة التالية ستكون أكثر تعقيدًا، مع استمرار التحضير لمؤتمر الأمم المتحدة الخاص بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، والمقرر عقد دورته السابعة في نيويورك خلال نوفمبر 2026. وهناك سيكون النقاش أوسع من نطاق الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ إذ سيتعلق ليس فقط بالرقابة على المواد والمنشآت النووية، وإنما بالترتيبات السياسية والأمنية التي يمكن أن تجعل هذه الرقابة قابلة للاستمرار.
وبذلك فإن ما حدث في فيينا يعكس معركة دبلوماسية طويلة الأمد حول شكل النظام النووي في الشرق الأوسط. مصر تدفع باتجاه قاعدة تقوم على الشمول وعدم الاستثناء، بينما تظل المنطقة محكومة بتفاوت كبير في الالتزامات والقدرات النووية والاعتبارات الأمنية.
وفي ظل التطورات الإيرانية والسورية والخليجية، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن يمتلك التكنولوجيا النووية أو من يطور برنامجًا مدنيًا، وإنما أصبح مرتبطًا بمستقبل قواعد الرقابة نفسها: هل تستطيع المؤسسات الدولية بناء نظام يحقق قدرًا أكبر من الشفافية والامتثال، أم ستظل القواعد النووية جزءًا من التوازنات السياسية والأمنية المتغيرة في المنطقة؟
من هذه الزاوية، فإن التصويت المصري في فيينا يمثل محطة مهمة في مسار أطول بكثير من جلسة واحدة أو قرار سنوي. فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الأصوات التي حصل عليها القرار، وإنما في قدرة الدبلوماسية الدولية على تحويل التأييد المبدئي إلى ترتيبات قانونية وأمنية قابلة للتنفيذ، تشمل المنطقة بأكملها وتتعامل مع مصادر القلق النووي وفق قواعد واضحة ومستقرة.



